شارك هذا الموضوع

صلح الإمام الحسن بن علي (عليه السلام)، مع معاوية بن أبي سفيان

روى ابن أبي الحديد في كتابه (شرح نهج البلاغة) عن أبي الفرج الاصفهاني عن سفيان بن أبي ليلى قال: (أتيت الحسن بن على حين بايع معاوية، فوجدته بفناء داره، وعنده رهط، فقلت: السلام عليك يا مذل المؤمنين.


 قال: عليك السلام يا سفيان. انزل فنزلت، فعقلت راحلتي ثم أتيته، فجلست إليه، فقال: كيف قلت يا سفيان؟ قلت: السلام عليك يا مذل المؤمنين. فقال: ما جر هذا منك إلينا؟. فقلت: أنت واللّه – بأبي أنت وأمي - أذللت رقابنا حين أعطيت هذا الطاغية البيعة، وسلمت الأمر إلى اللعين ابن اللعين ابن آكله الأكباد، ومعك مائه ألف كلهم يموت دونك. وقد جمع اللّه عليك أمر الناس.


فقال: يا سفيان، إنا أهل بيت إذا علمنا الحق تمسكنا به، وإني سمعت عليا يقول: سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) يقول: لا تذهب الليالي والأيام حتى يجمع أمر هذه الأمة على رجل واسع السرم ضخم البلعوم، يأكل ولا يشبع لا ينظر اللّه إليه، ولا يموت حتى لا يكون له في السماء عاذر، ولا في الأرض ناصر، وانه لمعاوية، وأني عرفت أن اللّه بالغ أمره. ثم قال لي: ما جاء بك يا سفيان؟.


قلت: حبكم، والذي بعث محمدا للهدى ودين الحق. قال: فابشر يا سفيان فإني سمعت عليا يقول: سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) يقول: يرد على الحوض أهل بيتي ومن أحبهم من أمتي كهاتين، يعنى السبابتين. ولو شئت لقلت هاتين يعنى السبابة


والوسطى، أحداهما تفضل على الأخرى، ابشر يا سفيان فان


الدنيا تسع البر والفاجر حتى يبعث اللّه إمام الحق من آل محمد (صلى الله عليه وآله)).


هذه هي رواية الإمام الحسن سلام اللّه عليه لتطور الأوضاع في الأمة الإسلامية، وانه سلام اللّه عليه لم يسلم الخلافة لمعاوية لأنه يعده قياده شرعية واجبة السمع والطاعة، وإنما في مواجهة ضرورة قاهرة أملتها ضغوطات الواقع وتخاذل المتخاذلين كما أملتها معرفته بما ستؤول إليه الأمور، وان القرار الذي اتخذه بإيقاف القتال لم يتحول إلى إقرار بشرعية الغصب والعدوان، وها هو يرد على لسان ابن آكله الأكباد حين خطب خطبته الفاجرة في افتتاح دولته قائلا: (إني واللّه ما قاتلتكم لتصلوا ولا لتصوموا، ولا لتحجوا، ولا لتزكوا، إنكم تفعلون ذلك وإنما قاتلتكم لأتأمر عليكم، وقد أعطاني اللّه ذلك وانتم كارهون).


فيرد عليه الإمام الحسن (عليه السلام): (إن الخليفة من سار بكتاب اللّه وسنة نبيه وليس الخليفة من سار بالجور ذاك رجل ملك ملكا تمتع به قليلا ثم يتنخمه، تنقطع الذمة وتبقى تبعته وان أدري لعله فتنه لكم ومتاع إلى حين).


لقد كانت الأمة في حاجة إلى هذا الخطاب الواعي من إمام الحق الذي يشخص الواقع لا أن يصبح جزءا منه ومن أدواته، هذه هي مهمة العلماء، فإذا قام الأئمة (عليهم السلام) والعلماء من بعدهم بواجبهم بقيت التبعة على الذين خذلوا الحق، وأيدوا الباطل.


لماذا اغفل الشيخ البخاري هذه الحقائق ولم يرو شيئا عنها؟.


لماذا لم يرو هؤلاء القوم شروط صلح الإمام الحسن بن علي مع معاوية، وهي شروط تنبه المسلمين انه مهما كانت ضغوط الواقع، وجبروت الفراعنة، فانه لا يمكن إسباغ الشرعية على حكومات الجور والعدوان.


ونقرا هذه الشروط، كما رواها الشيخ الصدوق، قال: (بايع الحسن بن علي، صلوات اللّه عليه، معاوية على أن لا يسميه أمير المؤمنين، ولا يقيم عنده شهادة وعلى أن لا يتعقب على شيعة علي شيئا، وعلى أن يفرق في أولاد من قتل مع أبيه يوم الجمل ويوم صفين ألف ألف درهم). انه وضع للقتال وليس تسليما للرقاب من غير قيد ولا شرط، انه رجل تملك ملكا تمتع به قليلا ثم (يتنخمه) تنقطع الذمة وتبقى التبعة.


لم يحدثنا التاريخ أن الحسن بن علي (عليه السلام) سعى في تثبيت ملك بني أمية، وتوعد من خالفهم بالويل والثبور وعظائم الأمور، وكيف يعقل أن ينتقل الحال بإمام عظيم هو الحسن (عليه السلام) من قيادة المواجهة ضد المد الأموي ليصبح ذيلا تابعا في نظام يتخذ من السلطة هدفا لا وسيلة لإقامة العدل، أنني أوقن أن الحديث عن السمع والطاعة في مواجهة هذه الحكومات الجائرة هو خلط مريب للأوراق، وكان الأولى بهؤلاء الرواة أن يتنزهوا عنه.

التعليقات (0)

شارك بتعليقك حول هذا الموضوع

شارك هذا الموضوع