شارك هذا الموضوع

السيد محمد الهاشمي ليلة (3) من شهر رمضان المبارك 1447 هـ

واصل سماحة السيد محمد لهاشمي سلسلة مجالسه الرمضانية بحسينية الحاج أحمد بن خميس في الليلة الثالثة من شهر رمضان المبارك لعام 1447هـ ، وتحت عنوان " نحو الأرض الموعودة " ، أشرنا في الجلسة الماضية إلى أن بني إسرائيل – أي أبناء النبي يعقوب عليه السلام – بدأ تاريخهم بانحراف خطير، حين كادوا بأخيهم يوسف وألقوه في الجب. وبيّنا أننا لا نريد الوقوف عند تفاصيل القصة بقدر ما نريد أن نستلهم من الآيات صفاتهم النفسية والسلوكية، حتى نتعرّف على العلل التي أفسدت مسيرتهم. لقد أرادوا بيوسف كيدًا، لكنهم هم الذين خسروا، أما يوسف فرفعه الله حتى صار عزيز مصر والمسؤول عن خزائنها، ثم جاء يعقوب وأولاده إلى مصر، وبقي هناك إلى آخر أيامه. في أواخر حياة يعقوب عليه السلام، جمع أبناءه وأوصاهم بوصيتين عظيمتين تمثلان أساس الانحراف اللاحق. الأولى: التمسك بالدين وعدم الموت إلا على الإسلام: ﴿يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾. وكأن يعقوب يعلم أن الانحراف سيقع مرارًا، فيحذرهم من سوء العاقبة. أما الوصية الثانية فكانت في العقيدة: ﴿ما تعبدون من بعدي﴾، فقالوا: ﴿نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلهاً واحداً ونحن له مسلمون﴾. وهنا تأكيد على وحدة خط الأنبياء، وعدم التفريق بينهم، لأن الانحراف المستقبلي سيظهر حين يقبلون نبيًا ويرفضون آخر بدافع العصبية والحسد.

بعد انتهاء حقبة يوسف، تغيّر الوضع السياسي في مصر. فبحسب ما يذكره المؤرخون، تعاقب على حكم مصر ملوك يُعرفون بالهكسوس، ثم عاد الفراعنة إلى السلطة. في زمن يوسف كان التعبير القرآني هو “الملك”، لا “فرعون”، مما ينسجم مع تلك المرحلة التاريخية. لكن بعد عودة الفراعنة، بدأت المضايقات لبني إسرائيل، لسببين: أولاً لأنهم عُدّوا حلفاء للسلطة السابقة، وثانياً بسبب صفاتهم الداخلية من تعالٍ وحسد ونفاق، مما جعلهم مكروهين عند بعض المصريين، ومثار قلق لدى السلطة الحاكمة. اشتد بطش فرعون، يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم، حتى جاء الوعد الإلهي بالخلاص على يد النبي موسى عليه السلام، من نسل لاوي بن يعقوب. قامت المواجهة، وانتصر موسى في يوم الزينة، لكن القرآن يكشف حقيقة مهمة: ﴿فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه﴾. أي أن غالبية بني إسرائيل لم يكونوا على مستوى الإيمان المطلوب، بل آمنت فئة قليلة، وعلى خوف من بطش فرعون. ومع ذلك استمر موسى في وعدهم: ﴿استعينوا بالله واصبروا﴾، مؤكدًا أن العاقبة للمتقين.

جاءت ليلة الخروج الكبرى، حيث أوحى الله إلى موسى أن يسري بقومه ليلًا. لحقهم فرعون حتى تراءى الجمعان، فقالوا بيأس: ﴿إنا لمدركون﴾. لكن موسى أجاب بكلمة تختصر الإيمان كله: ﴿كلا إن معي ربي سيهدين﴾. فانفلق البحر، وصار طريقًا يبسًا، ونجا بنو إسرائيل، وغرق فرعون. وهذا اليوم هو الذي يحتفل به اليهود بما يعرف بعيد الفصح، باعتباره يوم النجاة. بعد العبور، واجه بنو إسرائيل ثلاث مشكلات مادية: العطش، والجوع، وحرارة الصحراء. فعالج الله الأولى بتفجير اثنتي عشرة عينًا من الحجر، والثانية بإنزال المن والسلوى، والثالثة بتظليل الغمام عليهم. أي أن الله تكفّل بكل احتياجاتهم. ومع ذلك، لم يتحول هذا الإكرام إلى شكر، بل إلى غرور، حتى قالوا لاحقًا ما يدل على استبدال الأدنى بالذي هو خير. لقد أراد الله أن يربّيهم على التوكل والإيمان بالغيب، لكنهم ظلوا أسرى النظرة المادية.

المشكلة الأخطر لم تكن العطش ولا الجوع، بل كانت المشكلة الفكرية والعقائدية. فبعد كل المعجزات قالوا لموسى: ﴿اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة﴾. طلبوا من نبي الله أن يصنع لهم صنمًا! هنا يظهر عمق الترسبات الوثنية في قلوبهم. هذه ليست مشكلة تُحل بمعجزة، بل تحتاج إلى تربية طويلة. ولذلك فإن الانحراف الفكري أخطر من الحاجة المادية، لأنه يعكس خللًا في الرؤية والعقيدة. القرآن يفتتح سورة البقرة بقوله: ﴿ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب﴾. الإيمان بالغيب هو الفارق الجوهري. من حصر نظره في المادة لن يفهم سنن الله، ولن يقرأ التاريخ قراءة صحيحة، وسيبقى يخطئ في الحسابات. أما من آمن بالغيب، فإنه يرى يد الله في الأحداث، ويثق بوعده، كما قال موسى: ﴿إن معي ربي سيهدين﴾. ومن هنا نفهم أن الثبات في زمن الفتن، والثبات على الإيمان بالإمام الغائب، إنما هو ثمرة الإيمان بالغيب. فمن لم يؤمن بالغيب، ستتسلل الشبهات إلى قلبه، أما من آمن، فإنه يسلم ويطمئن، حتى وإن طال الانتظار.

التعليقات (0)

شارك بتعليقك حول هذا الموضوع

شارك هذا الموضوع