واصل سماحة السيد محمد لهاشمي سلسلة مجالسه الرمضانية بحسينية الحاج أحمد بن خميس في الليلة الثانية من شهر رمضان المبارك لعام 1447هـ ، وتحت عنوان " اغتالوا أخاهم حسدًا " ، تابع سماحة السيّد الكلام عن محور السلسلة: قصص بني إسرائيل في القرآن الكريم، ويذكّر بالأسباب الثلاثة التي ذُكرت سابقًا للتركيز عليهم: أنهم أكثر أمة ذُكرت في القرآن، وأنهم أشد الناس عداوة للذين آمنوا، وأن في قصصهم عبرًا كثيرة نحتاجها في واقعنا. تبدأ الليلة بالفصل الأول من قصتهم، واختيرت نقطة البداية من قصة النبي يوسف عليه السلام. وبيّن المتحدث أن بني إسرائيل هم أبناء النبي يعقوب، لأن “إسرائيل” هو اسم ليعقوب. لذلك كلما قال القرآن “يا بني إسرائيل” فكأنما يخاطبهم: يا أبناء نبي الله يعقوب، وفي هذا نوع من التكريم والتذكير بأصلهم النبوي، حتى يلتزموا الطريق الصحيح.
عند التأمل في بداية قصة يوسف، تظهر أول صفة خطيرة في تاريخ بني إسرائيل، وهي الحسد. فالنبي يعقوب عليه السلام، عندما سمع رؤيا يوسف، لم يقل: “أخشى أن يكيدوا لك”، بل قال مباشرة: ﴿فيكيدوا لك كيدًا﴾، وكأنه يعرف أن الحسد متجذّر في نفوسهم. فالمشكلة لم تكن في طريقة تربية يعقوب، ولا في عدله، بل في طبيعة النفوس التي امتلأت بالغيرة والحسد. الحسد عند إخوة يوسف لم يبقَ مجرد مشاعر، بل تحوّل إلى تخطيط جماعي لقتل أخيهم أو إبعاده. قالوا: ﴿اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضًا﴾، ثم برّروا لأنفسهم الجريمة بقولهم: ﴿وتكونوا من بعده قومًا صالحين﴾. وهنا يوضح المتحدث أن هذه ليست توبة حقيقية، لأن التوبة تكون بالندم وترك الذنب، لا بالإصرار عليه مع تأجيل الاستغفار. ثم مارسوا الكذب والتمثيل والبكاء أمام أبيهم، وجاؤوا بقميصه ملطخًا بدم كذب، مما يدل أن الحسد جرّهم إلى سلسلة من الجرائم: كذب، خيانة، تمثيل، وقطيعة رحم.
من هذه البداية، يبيّن السيّد أن صفة الحسد استمرت في تاريخ بني إسرائيل. فالقرآن يذكر أنهم كانوا يكذبون بعض الأنبياء ويقتلون بعضهم الآخر. ويُذكر أنهم حاولوا قتل أنبياء مثل زكريا ويحيى، وسعوا لقتل عيسى عليه السلام، بل حاولوا إيذاء النبي محمد ﷺ. وكأن أول قصة في تاريخهم — محاولة قتل يوسف — أصبحت نمطًا متكررًا في تعاملهم مع الأنبياء. ويشير السيّد إلى لفتة قرآنية مهمة: بعد قصة قتل قابيل لهابيل بسبب الحسد، قال الله: ﴿من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسًا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعًا﴾. وكأن القرآن يحذّرهم أن الحسد إذا تحوّل إلى ثقافة جماعية، فإنه يصنع أمةً تمارس القتل بلا رحمة. ولهذا وصفهم القرآن بقوله: ﴿وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة﴾، لأن الحسود لا يعيش بسلام، ولا يثق بالآخرين، بل حتى لا يثق بأقرب الناس إليه.
الهدف من هذا العرض ليس مجرد سرد تاريخ، بل تحذير عملي لنا. فالحسد داء خطير، يبدأ بمقارنة بسيطة، ثم يتحول إلى اعتراض على قسمة الله. ولذلك ورد في الروايات أن الحسد كفر، لأنه اعتراض على تقدير الله تعالى. فمن يحسد كأنه يقول: لماذا أعطى الله فلانًا ولم يعطني؟ وهذا اعتراض على حكمة الله. والحسد قد يفسد البيوت، ويقطع الأرحام، ويؤدي إلى الغيبة والشماتة والتشهير، بل إلى هدم نجاح الآخرين فقط لإشباع النفس. الخلاصة أنّ ول صفة ظهرت في قصة بني إسرائيل هي الحسد، ومنها تفرعت كثير من انحرافاتهم. فالقرآن عندما يذكر قصصهم، لا يريد منا أن نكتفي بإدانة الماضي، بل أن نفتش في أنفسنا. فإذا وُجدت ذرة من هذا الداء، فقد تكون بداية سقوط كبير. لذلك المطلوب أن نطهّر قلوبنا من الحسد، ونرضى بقسمة الله، ونفرح لنعمة غيرنا كما نفرح لأنفسنا، حتى لا نقع فيما وقعوا فيه.
السيد محمد الهاشمي ليلة (2) من شهر رمضان المبارك 1447 هـ

التعليقات (0)