شارك هذا الموضوع

معاني و ركائز السلام - الديهي ليلة الثامن عشر من رمضان لعام 1438 هـ

أكمل سماحة الدكتور عبدالله الديهي سلسلة محاضراته الرمضانية ، وذلك في ليلة الثامن عشر من شهر رمضان المبارك لعام 1438 هـ ، من سورة الحجر " ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ ، وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ "، نحن في شهر السلام والطمأنينة والمحبة والأخوة ، لهذا حديثنا عن هذه المادة اللطيفة التي يتطرق اليها القرآن وهي مادة السلام ، أولًا عن المعنى اللغوي و الإصطلاحي لهذه اللفظة " سلم " ، ثانيًا ، السلم أو السلام هو فردي ام شمولي ؟ ، ثم الموارد التي استخدمت فيها هذه الكلمة في القرآن الكريم وعددها بين اسم وفعل ، أخيرًا الركائز التي ننطلق بها الى حياة المحبة والسلم بين البشرية .

الجانب الأول المادة اللغوية للسلم ، مأخوذة من السلامة ، أي خلوّ الشيئ من كل الآفات ، التعري منها سواء كانت ظاهرية أو باطنية ، و كانت عند العرب شجرة تسمى شجرة السلامة ، لأن تلك الشجرة لا تؤثر فيها الآفات الزراعية التي تؤثر في الأشجار ، السلامة بالنسبة للغة تارة تأتي بالسِلم وتارة بالسَلم و تدل على نفس المعنى ، من سورة الشعراء " يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ ، إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ " ، السلم كلمة شاملة تستطيع أن تستخدمها في الجانب الفردي و الجانب العام ، السلام يدخل في كل شيء .. في الجانب العسكري أي الصلح ، في الجانب السياسي الإبتعاد عن الغش ، في الإعلام الذي يعتمد على ايصال الكلمة الصالح للناس ، الدولة السليمة هي الصالحة هي التي تكون رؤوفة بشعبها ، الإقتصاد السليم المبني على خطط و دراسة و انتاج لا على الإستهلاك ، جار سليم ،، رجل سليم ،، إمرأة سليمة .

الجانب الثاني ، القرآن الكريم وردت فيها هذه الكلمة تارة بمعنى الإسم و تارة المصدر وتارة الفعل ، وردت 140 مرة ، حسب المعجم المفهرس ، منها 112 مرة بلفظ الإسم ، ووردت بلفظ الفعل 28 مرة ، ومنها الآية من سورة الأحزاب " إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا " وهذا العدد الكبير يدلّ على أن الركيزة في الحياة تقوم على الطمأنينة والمحبة . أول مورد من موارد استعمال كلمة السلام ، هي أنها اسم من أسماء الله الحسنى ، من سورة الحشر " هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ ۚ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ " الله خارج عن النقائص التي تنتاب الإنسان فلا فناء ، إنه باقٍ أزليٌّ و لا يعتريه مرضٌ ولا تعبٌ و لا نومٌ ، من سورة البقرة " اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ۚ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ ۚ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ۚ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ۖ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا ۚ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ " ، من يعتقد بالله و بالنبي وأهل بيته له إرادة حديدية و لا يخاف من أحد ، من سورة المائدة ، " يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ " . وهكذا في أخلاقياتنا .

المورد الثاني استعمل السلام للجنة ، من سورة الأنعام " ۞ لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِندَ رَبِّهِمْ ۖ وَهُوَ وَلِيُّهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ " دار السلام هي الجنّة لأن السلام هو السلامة ، حيث لا توجد سلامة كسلامة الجنة ، هذه النعم في الدنيا محاطة بالكدورات و يخاف الإنسان بزوالها ، و قد يفقد الإنسان بعضها ، وقد يفقد عضوًا من أعضائه ، للجنة أربع صفات ، فيها بقاءٌ بلا فناء ، وفيها غنىً بلا فقر ، وفيها عزٌّ بلا ذل ، وفيها صحة بلا سقم و لا مرض ، المورد الثالث هو الثناء الجميل ، من سورة الصافات " سَلَامٌ عَلَىٰ نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ " لما له من خصوصية حيث صبر 950 سنة و لم يهتدي الا 80 من تحته ، المعنى الرابع من معاني السلامة هو الخلوص ، هناك ثلاثة موارد أيَضًا ، ليلة القدر " سَلَامٌ هِيَ حَتَّىٰ مَطْلَعِ الْفَجْرِ " تسمى بليلة السلام لأنها طمأنينة للصائمين العابدين ، فهم في ضيافة الله وتحت عبادة الله ، والملائكة تسلم على القانتين الداعين ، وتسلم على صاحب الأمر ، و تسلم على بعضها البعض ، وهي ليلة خالية من الآفات ، و الليلة التي أنزل فيها القرآن و كتاب السلام ، والكتاب ليس للمسلمين بل للعالم ، و لو عملوا به لما رأيت الناس متقاتلين ويأكل بغضهم بعضًا .

تُعرف المنطقة المسلمة بأمرين ، بالصلاة و بالسلام ، " إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ إِنَّا مِنكُمْ وَجِلُونَ " ، " فَإِذَا دَخَلْتُم بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً ۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ " ، سّلم على زوجتك و على أولادك ، لأنها توطّد المحبة ، فإذا صنعتَ المحبّة في بيتك وثقوا بك ، و اذا وثقوا بك أطاعوك ، وصاروا لك سدًّا منيعًا في النوازل ، أيضًا في الجانب الأخلاقيّ ، " من سورة الفرقان " وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا " التفسير الأول أي قالوا كلامًا طيبًا جميلًا و التفسير الثاني قالوا سلامٌ عليكم ، وهذا جواب الإنسان الذي له عظمة ومقام ، و جواب الإنسان القويّ وصاحب النفس العظيمة ، حياتنا ترتكز على السلام حتى مع الجهلة الحمقى

الجانب الأخير ، الركائز التي ننطلق بها الى حياة المحبة والسلم بين البشرية وهي أربعة ، الركيزة الأولى ، أنّ البشر يجب أن يعيشوا في سلم ورخاء و مودّة ، فأبونا جميعًا آدم و أمّنا حواء ، الركيزة الثانية أنّ الإنسان من شأنه الضعف و القوة ، فلماذا لا نضم هذه القوة الى هذه القوة فتكون قوتين ؟ ، الركيزة الثالثة أنّ الله الذي يحكم العالم كله و بيده كلّ شيء رحيم ، وخصوصًا بالعاصين ، هناك 114 بسم الله الرحمن الرحيم في القرآن الكريم ، و تكررت الرحمة في القرآن 156 مرة ، الركيزة الرابعة المصيرُ واحد للأغنياء و الفقراء و العالِم و العاديّ ، النهاية هي الموت ، من سورة القصص " وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ ۘ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ۚ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ " ، أتى رسول الله ليوحّد بين الناس و يكون التعاضد ، الفرقة تؤدي الى الضعف ، من سورة آل عمران " وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ " .

التعليقات (0)

شارك بتعليقك حول هذا الموضوع

CAPTCHA security code

شارك هذا الموضوع