شارك هذا الموضوع

ما هـذه البدعـة؟!

ما إن استيقظت صباح اليوم حتى وجدت هاتفي ممتلئا ً برسائل كلها تهنئة وتبريكات، فقلت أية تهاني وأفراح والإمام العسكري (ع) لم يبرد جسمه ، وأية تبريكات ودموع ولده المنتظر (ع) لم تنشف حزنا ً عليه بعد؟!! فبعض هذه الرسائل جاءت ليلة البارحة، أي بعد العزاء والشهادة بسويعات قليلة. فوجدت أن هذه الرسائل كلها تهنئة بما سمي بتنصيب الإمام المنتظر، أو عيد الولاية ، فنحن الشيعة في فرح وسرور وأنس لأن اليوم مباشرة بعد شهادة الإمام العسكري (ع) صار المنتظر هو الإمام من بعده بلا فصل !! والغريب أن هذه العادة المنكرة- نعم أقول منكرة- في ازدياد عاما ً بعد عام، وصارت في انتشار وقبول بين الناس عواما ً ومثقفين ، خصوصا ً مع انتشار وسائل الاتصال السريعة .


أية تهنئة للإمام المنتظر(ع) وهو مطارد من قبل السلطة العباسية ، وأية مسرات وتبريكات نتبادلها والإمام العسكري (ع) استشهد قبل ساعات قليلة بالسم، والمؤرخون ينقلون لنا "بأن المعتمد الخليفة العباسي كان يعتقد أنه وصل لمبتغاه وحقق أهدافه باستشهاد الإمام وأنه لا يوجد هناك خطر يهدد حكمه المستبد، ولكنه لأجل أن يرتاح باله قام بأعمال أخرى تبيّن مدى تعطشه للسلطة ومدى قلقه من ابن الإمام العسكري (ع)، فقد أمر جلاوزته بأن يداهموا بيته ويفتشوا أثاثه بشكل تام، وختم على جميع ما فيها، ومن ناحية أخرى كان قد سمع بأن للإمام ولدا ً فأمر بطلب أثر ولده (ع)، وجاءوا بنساء يعرفن الحمل، فدخلن إلى جواريه (ع) ينظرن إليهن، فذكرت بعضهن أن هناك جارية بها حمل، فجعلت في حجرة ووكل بها نحرير الخادم- أحد خدّام الخليفة ومن البلاط- وأصحابه ونسوة معهم ليعرفوا حقيقة الأمر، ولم يزل الذين وكلوا بحفظ الجارية لازمين لسنتين حتى تبين بطلان ما توهم عليها من الحمل" (سيرة الأئمة، مهدي البشوائي، ص 586).
 
ويضيف مصدر آخر الصورة الموحشة والدامية التي من خلالها تم الهجوم على بيت الإمام العسكري وملاحقة الإمام المنتظر والبحث عنه، يقول : "  وقعت حوادث مفجعة ومؤلمة بعد استشهاد الإمام العسكري تقشعر منها الجلود، فلم تمض لحظات من ارتحال الإمام العسكري (ع) إلا وحاصروا الدار من قبل المعتمد، وأحاطوها وأخذوا يفتشون حجر البيت وزواياه. ويروي الصدوق بأن الخيل كبست دار الإمام (ع) واشتغلوا بالنهب والغارة" (حياة الإمام العسكري، محمد جواد الطبسي، ص 433).
 
أفي مثل هذه الأجواء الخانقة التي عاشها الإمام (ع) نقوم بالتهنئة والتبريكات وإظهار الفرح والسرور بحجة الولاية وتنصيب الإمام المنتظر خليفة على الناس ؟! إذا كان الأمر كذلك فلنفرح يوم شهادة الحسين (ع) ليلة الحادي عشر وذلك بدعوى تنصيب الإمام السجاد (ع) وبحجة الولاية التي نالها بعد أبيه الحسين(ع)، ولنفرح بعد شهادة الإمام الكاظم (ع) بدعوى الولاية التي نالها من بعده الرضا (ع) ، ولنفرح في كل أيام شهادة المعصومين (ع) .


واحدة من زوجات الإمام الحسن (ع) وتسمى عائشة الخثعمية يوم مقتل أمير المؤمنين (ع) وشهادته جاءته وهنأته بالخلافة وباركت له الولاية وقالت له : " لتهنئك الخلافة يا أمير المؤمنين" ، فما كان من الإمام الحسن (ع) إلا أن غضب وثار فيها وهاج، ولم يكتف بهذا الغضب بل أعقبه بأن طلقها على تهنئتها له بالخلافة في هذا اليوم العصيب والدامي والمحزن والذي يقرّح القلوب المؤمنة فضلا عن قلب الإمام المعصوم ابن الإمام الشهيد، وقال لها :  يُقتل علي (ع) فتظهرين الشماتة؟!، اذهبي فأنت طالق ثلاثا ً، فتلفعت بساجها ومضت " (زوجات الأئمة المعصومين، ماجد ناصر الزبيدي، ص 120).
 
ما الفرق بيننا ونحن نظهر الفرح والسرور  يوم شهادة الإمام المعصوم العسكري (ع) بحجة الولاية والتنصيب والفرح للإمام المهدي (ع) وبين هذه الزوجة، والتي قالت كلمتها بحسن نية، ولم تكن تقصد من ورائها الشماتة والتشفي، وإنما تريد أن تبارك للإمام الخلافة، والتنصيب الإلهي كما نقول نحن الآن مثل قولها، ومع هذا غضب منها الإمام، وثار وهاج .. أترى أيرضى الإمام العسكري أو المنتظر (ع) بصنيعنا حين يرانا نتبادل التهاني ونظهر السرور والأفراح بهذه الحجة الواهية ؟!.
في كل عام في مثل هذا اليوم يتم الاتصال بي من أجل القراءة ليلا ً بمناسبة تنصيب الحجة كما يقولون وأرفض، ويتكرر الطلب ويتكرر معه الرفض، ففي عصر الشهادة نبكي ونظهر الحزن على الإمام العسكري (ع) وبعدها بساعتين أو ثلاث نطرب ونصفق في المأتم ونردد الجلوات والأفراح ونتبادل التهاني بدعوى الولاية والتنصيب؟؟!! .. ألا ما أقسى قلوبنا !!.
 
من يقرأ التاريخ بتمعن وتتبع يجد أن هذه عادة وبدعة ابتدعها الأمويون، فيوم وفاة الخليفة يتم تهنئة الخليفة الذي يليه بمنصب الخلافة، ويتم إظهار الفرح والسرور والتهاني في هذا اليوم، وتدق الطبول وتعم الأفراح، ولا غرابة في ذلك، لأن الخليفة أو ولي العهد يتمنى الوفاة لأبيه أو أخيه سريعا ً ليتسلم الخلافة من بعده، فهي مغنم دنيوي وليس منصبا ً إلهيا ً . وهناك من الشواهد العشرات ولسنا بصدد عرضها، ولا أتصور أننا نود أن نتشبه بالخلفاء من بني أمية أو من بني العباس في تلك السنة السيئة.


إخواني اتقوا الله ، وعودوا لأنفسكم، وتفكروا في كل أمر أو فعل أو قول قبل كل شيء، وتساءلوا عن موقف الشرع منه، وعن حقيقته وعن صدق الروايات المتعلقة به، وهل أن الإمام المعصوم لو كان حاضرا ً ورآه يرضى به ؟؟!!. أفي كل يوم ندخل في الدين مالا أصل له، ونحشر في المذهب الباطل وهو المذهب الذي نتباهى به أمام المذاهب ونقول بأعلى أصواتنا إنه خير المذاهب بنقائه وبناه وأصوله، أهذا المذهب النقي نقوم بتشويهه بإرادتنا ببدع لا أساس لها، ولا اعتبار، وبروايات كلها قائمة على الكذب والخرافة .. اتقوا الله ولتعلموا أننا مسئولون يوم غد عن كل صغيرة وكبيرة.


علي المحرقي
21/1/2013م 

التعليقات (4)

  1. avatar
    متابع

    أتفق معك أستاذ في ما قلت وأرى السبب هو سكوت العلماء عن هذه الظواهر والسبب الثاني أننا نصدق أي شي عن اﻷئمة ونصدق أي رواية دون أن نسأل أو نتأكد ونتحقق أتمنى أن ﻻ يسيئ اﻷخوان فهمك ويتقبلون ما قلت بالقبول الحسن وشكرا لك على الجرأة في الطرح

  2. avatar
    A.Al-Muharraqi

    الله يعطيك العافيه اخي علي المحرقي و تشكر على طرح هذا الموضوع المهم و ارجوا ان يتم الاستفاده منه و التماس نتائجه الايجابيه

  3. avatar
    رضا المحرقي

    بسم الله الرحمن الرحيم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته موضوع يستحق المتابعة والبحث لأن هذا الشيء منتشر وبشكل عشوائي ومن غير شعور مجتمعنا بهذا الشيء حيث أن الأفراح والأحزان عاملان متضادان لايمكن الجمع بينهما في آن واحد لأن الانسان عبارة عن مشاعر متجمعة في القلب تتمثل في إحساس واحد فقط .. أتمنى أن يوفقنا الله في أن نكون أكثر حكمة في ترجيح عمل على عمل آخر بهدى من الله عز وجل ثم بفضل توجيهات مراجعنا والاناس الطيبين أمثالكم أستاذ .. وشكرا .. تحياتي ..

  4. avatar
    متابع سماحة الشيخ علي المحرقي

    بوركت أناملك على هذه اللفته الجميلة فالكثير منا مشغول بكيف أن يرسل هذه الرسائل بأسرع وقت دون الرجوع إلى حيثيات وكيفيات هذه الرسائل فشغله الشاغل ارسالها وانتهى .. أتمنى أن تصل حروفك إلى أبعد قدر من الناس علَّ أو عسى يستفيذ منها أحد ... شكراً لسماحتكم المعطاء

شارك بتعليقك حول هذا الموضوع

CAPTCHA security code

شارك هذا الموضوع