شارك هذا الموضوع

شيء من معاناة الشهيد الصدر (2)

" شيء من معاناة الشهيد الصدر " (2)



التنحي عن التدريس وعن صلاة الجماعة:
نتيجة لكل ما لاقاه السيد من ضغوط وجفاء ومعاملة سيئة من قبل المحيط الحوزوي قرّر الابتعاد وترك التدريس وإمامة الصلاة، فقد نفد صبره، وضاقت نفسه، بجانب هذا كله فقد شعر السيد أن هناك ضغطا ً على طلابه من قبل حواشي باقي العلماء والمراجع، حيث كانوا يحذرون الطلاب من الحضور عنده بحجة أن هذا الرجل سياسي ويتدخل في الأمور السياسية وهو رجل حزبي، فكانوا يضغطون على طلابه. كانت هذه الأخبار تبلغ السيد الصدر، وكان حينها يدرّس في تلك الفترة في مسجد الطوسي حيث كان عدد طلابه كبيرا ً. وذات يوم في جمادى الأولى 1398هـ جاء السيد الصدر إلى مجلس بحثه وأثار فجأة مسألة جديدة خارجة عن محل البحث، فتعجب تلامذته من ذلك. ثم ذكر : " أنه أحصى في دورته الأصولية الثانية خمسمائة محاضرة ألقاها خلال خمس سنوات، وهذا يعني أنه مقابل كل يوم درس كان هناك يوما تعطيل، وهذا لا مثيل له في أية مؤسسة علمية، ثم ذكر أن والده لم يترك له إرثا ً من عقار أو غيره، وأنه كان يعيش في بيت مستأجر، وكان يدخل في خزانة الحائط بعيدا ً عن ضوضاء الأطفال ويقضي عشر ساعات في الخزانة لا يخرج منها إلا لقضاء حاجته أو لأداء الصلاة.



ثم علَّّق السيد الصدر على ذلك بقوله: " إني أصبح مرضي أكثر من صحتي، وقد أديت ردحا ً من الزمن دور التدريس العلمي وتربية الطلاب، وقد داهمتني اليوم عوارض الشيخوخة والأمراض، فعليكم أن تبحثوا عن أستاذ غيري تواصلون عنده الدرس .. " وأضاف :" في هذه الفترة الزمنية التي ربيت فيها تلامذة وطلابا، ربما استطعت أن أثبت الجدارة في هذا الأمر، وأنا أدعوكم الآن إلى أن تفتشوا عن أستاذ غيري، وأنا أترك البحث".
وبالفعل أعلن السيد الصدر عن تعطيل البحث وتركه التدريس، كما اعتزل صلاة الجماعة في الحسينية الشوشترية في وقت جد مبكر على خلفية المضايقات التي تعرض لها طلابه وأنصاره.
تحركات طلاب السيد الصدر:
وكانت هذه طامة كبرى على رؤوس تلامذته الذين لم يتحملوا ذلك وتألموا كثيرا ً، وكان قبل ذلك بمدة أو في وقت متزامن قد أعلن عن تعطيل صلاة الجماعة في الحسينية الشوشترية في النجف الأشرف للسبب نفسه.
وكان أن قصده السيد علي أكبر الحائري في منزله وجلس بين يديه باكيا ً وقال له:" سيدي خسرنا بالأمس نعمة الصلاة خلفك، وقد خسرنا اليوم نعمة درسك القيّم، إذن فقد فقدنا كل شيء، لماذا حرمتنا من درسك؟ ما هو السبب في ذلك؟ وماذا نصنع بعد هذا؟" فجعل السيد الصدر يسلّيه ويخفف عنه. وبعد ذلك عرفوا السبب الحقيقي وهو ضغوط حواشي باقي العلماء. وكذلك قصده السيد محمد الحيدري لمعرفة أسباب التعطيل، فأجاب:" إن الاتهامات التي توجه لنا كثيرة من قبل البعض في الحوزة ومنها الحزبية، وهذا الاتهام من شأنه أن يؤدي إلى اعتقال الطلبة وتعرضهم لأشد أنواع التعذيب.. وقد يؤدي إلى القتل. وحفاظا ً على الطلبة وسلامتهم اتخذّت هذا القرار".


زيارة الشيخ محمد جواد مغنية إلى النجف:
بعد اندلاع الحرب اللبنانية في 13/4/1975م صمّم الشيخ محمد جواد مغنية على مغادرة لبنان إلى النجف الأشرف ليمكث هناك فترة من الزمن. وقد نزل أوّل الأمر عند السيد الصدر ، وبقي عنده أياما ً حتى أزعجته كثرة الزوار، فاستأذن من السيد الصدر وانتقل إلى أحد الفنادق، فقبل السيد لكن بشرط أن يكون ذلك على حسابه هو. ولما علم السيد محمد رضا السيد السيد محسن الحكيم بقدوم الشيخ مغنية وكان مدير وولي مدرسة دار الحكمة ذهب لزيارته بإيعاز من بعض العلماء الذين علموا أن الشيخ مغنية نزل في الفندق. فذهب السيد محمد رضا ودعا الشيخ مغنية إلى المدرسة وعين له غرفة في الطابق الأول وفرشها بالسجاد الثمين، وهيأ له حاجاته من حرامات وفرش وجميع آلات الشاي.
الشيخ مغنية يستوضح أسباب تعطيل السيد الصدر درسه:
لم ينجح طلاب السيد الصدر في إقناع أستاذهم بالتراجع عن قراره بتعطيل الدرس، وقد بيّن أسباب التعطيل في مجلس التعزية الذي كان يقام في بيته في ليالي الخميس، وكان يحضره كثير من المؤمنين والطلبة والعلماء. وبعد المجلس أخذ الشيخ مغنية يعاتب السيد الصدر على تعطيله الدرس. ويبدو أن الشيخ مغنية لم يكن على علم بدوافع التعطيل، فألحّ على السيد الصدر بالسؤال ليعرف الأسباب. ولأول مرة قام السيد الصدر وتكلم بمحضر الشيخ مغنية عن الحملات التي يتعرض لها وعن طبيعتها وما يمكن أن تسببه لكيان النجف كله.. فانبرى قائلا ً: " إن الأوساط الحوزوية أصبحت لا تتقبلني ولا تحب أن أستمر في التدريس، إذن لا داعي لأن أصر على استمراري في الدرس .. هناك معاداة كثيرة ومحاربة كثيرة من أبناء نوعنا عليَّ وعلى طلابي في شتى الأنحاء الحوزوية. هذه الكلمات والاتهامات الكثيرة التي تروج ضدي وضد كل من يحضر الدرس، فما أن يحضر أحد من الطلبة حتى تقوم عليه القائمة، فيخوض حربا ً دفاعا عن نفسه وعن حضوره في الدرس، مما يضطر الكثيرين أن يهربوا من الدرس خوفا ً على سمعتهم وتجنبا ً لتلك الاشتباكات. وقبل أيام حدث هذا أيضا ً لأحد الطلبة الذين حضروا الدرس جديدا ً. وقد حدّثني بأنني حضرت درسك ليوم واحد، وخلال هذا اليوم إلى موعد اليوم القادم تلقّاني عدّة أشخاص وحذّروني بأنا سمعنا أنك حضرت درس فلان، وكيف تحضر درس فلان؟ فلان مثلا ً رجل سياسي ! فلان رجل خطر! " ثم أضاف : " هكذا يحاربوني ويحذّرون الطلاب مني ، لذا إذا كنت مغضوبا ً عليه من قبل الأوساط الحوزوية ومن أبناء نوعنا إلى هذه الدرجة فلا داعي لاستمراري في الدرس، فليأخذوا راحتهم في اختيار من يريدون من الأساتذة الآخرين" .
وسرعان ما سكن السيد الصدر دون أن يتخلى عن قراره، لأنه يهدف إلى معالجة هذا الوضع بطريقة يمكن أن تشل نشاط الجهة المقابلة.
وراح الشيخ مغنية يعاتب السيد بأن هؤلاء أعداؤك وأنت حقّقت لهم هدفهم وأفرحتهم بهذا الموقف، والتمس منه باسم الطلبة اللبنانيين الرجوع إلى الدرس، لأن درس الأصول في النجف الأشرف متعين في درسه، فإذا توقف درسه فمعناه توقف المدرسة الأصولية في النجف. ثم استشهد الشيخ مغنية بتاريخ علمائنا وما لاقوه من الأذى وصبروا في مواصلة الخط الإسلامي الكبير، فالمأمول من السيد الصدر أن يصبر ويتحمل أولئك البطّالين.
فقال السيد : " إنّني تحملت الكثير في ذلك، إلى أن توصلت إلى باب مسدود لا يمكن فتحه على هذه الحالة، والأفضل لي وللطلبة هو التوقف عن الدرس"، ثم أضاف : " إن الزهرة التي تُرمى على الإنسان من الصديق أشد من الحجارة إذا رماها العدو" .
وأصر على موقفه إنقاذا ً لطلابه من الحرج الشديد، ولم يقتنع بحديث الشيخ مغنية حينما حاول إقناعه بالتخلي عن قراره والرجوع إلى التدريس.
الشيخ محمد جواد مغنية ينادي إلى اجتماع علمائي لحماية السيد الصدر:
بعد أن اطّّلع الشيخ محمد جواد مغنية على حيثيات الموضوع، نادى إلى اجتماع حضره شخصيات علمائية معروفة، من بينها السيد جمال الدين الخوئي نجل السيد الخوئي والسيد يوسف الحكيم، ومما قاله لهم :" هذا الرجل أخرج النجف من الكتب الصفراء إلى الكتب البيضاء، هذا الرجل عرّف العالم على النجف الأشرف بعد أن كانت مطمورة ... إذا لم تعملوا على رفع الضغط عن السيد الصدر، فسأرجع إلى لبنان وأعقد مؤتمرا ً صحفيا ً أفضحكم فيه أمام الملأ، أنتم تستحقون الحياة؟! يجب أن تموتوا جميعا ً .. يجب .. يجب .. " وقد أدّى كلام الشيخ مغنية هذا إلى تليين الوضع تجاه السيد الصدر.
رجوع السيد الصدر عن قراره:
تزامنا ً مع جهود الشيخ محمد جواد مغنية بدأت جولة المفاوضات مع جهاز السيد الخوئي، وكان السيد علي أكبر الحائري قد قصد مع بعض الطلاب- ربما السيد صدر الدين القبانجي- السيد حسين بحر العلوم ووسطوه ليتحدث مع السيد الصدر ليرجع عن قراره. كما بادر الشيخ محمد إسحاق الفياض إلى التفاوض مع السيد الصدر والسيد الخوئي وقد عكف السيد الخوئي على تلطيف الأجواء والحيلولة دون إصرار السيد الصدر. ولم يطّّلع طلاب الصدر على مضمون المفاوضات ولكنهم عرفوا أن السيد الصدر بلّغ السيد الخوئي عتابه على حواشي الأخير. وقد تردّد الشيخ فيّاض عدّة مرّات بينهما، وما عرفه طلاب الصدر هو أن السيد الخوئي وعده بأن يسكت حواشيه. كما نقل الشيخ محمد جواد مغنية إلى السيد الصدر رجاء السيد الخوئي والحاجة إلى رجوعه عن قراره ومباشرة درسه من جديد، ثم اتصل السيد الخوئي بالسيد والتمس منه بشدة الرجوع إلى الدرس.
وأجبر الشيخ مغنية العلماء الكبار على أن يأتوا إلى بيت السيد الصدر وطلبوا منه إعادة نشاطه التدريسي، وقد استجاب آخر الأمر، ولكنه امتنع عن صلاة الجماعة في الحسينية الشوشترية. وكان هذا التعطيل قد دام أسبوعا ً أو أسبوعين.
وقد قيل: إن السيد الصدر لم ينو ِ تعطيل درسه بشكل كامل ونهائي، وإنما كان بصدد تنبيه السيد الخوئي من أجل التفكير بجدية أكثر فيما آلت إليه أوضاع الحوزة العلمية.
(انظر محمد باقر الصدر السيرة والمسيرة، أحمد عبد الله العاملي، ج3 ، ص (123- 144) ).     
   
علي المحرقي
15/1/2013م.

التعليقات (1)

  1. avatar
    متابع

    كل ما تكتبه مثير أستاذ.. ويحرك في النفس أشياء

شارك بتعليقك حول هذا الموضوع

CAPTCHA security code

شارك هذا الموضوع