شارك هذا الموضوع

نصوص وشواهد


وقفت في مقالي الأخير عند العبارة التالية: " وأنا مازلت عند رأيي هذا ، والقريبون من الحوزات الدينية يعرفون هذه الحقيقة ، والعلماء ومن يدخل هذا السلك الديني تجده يحسب ألف حساب إلى الجماهير ، ويراعي كل المراعاة غضبة العوام ، ويتوجس من التسقيط قبل أن يقدم على أي عمل أو قول يخالف ما يؤمن به الناس ، أو يصطدم مع الأعراف والتقاليد الموروثة ، ويحاول قدر ما يستطيع أن لا يثير غضبة الناس ويحاول إرضاء العوام للأسف ، وإن كان على حساب الحقيقة والشرع، ولديَّ من الشواهد على هذه الحقيقة العشرات ، وهذا ما سأتناوله في المقال القادم" .


أما الشواهد والنصوص فإلى القارئ بعضها مثبتة بالنص والمصدر، دون أي تعليق مني، وسأتركها في متناول القارئ الحصيف يقلبها على مهل:


1. الشيخ محمد جواد مغنية :


" وقد عاصرت ثلاثة مراجع كبار من أهل الفتيا والتقليد، الأول كان في النجف الأشرف، وهو الشيخ محمد رضا آل ياسين، والثاني في قم، وهو السيد صدر الدين الصدر، والثالث في لبنان، وهو السيد محسن الأمين، وقد أفتوا جميعا بالطهارة، وأسرّوا بذلك إلى من يثقون به ، ولم يعلنوا خوفا ً من المهوشين، على أن آل ياسين كان أجرأ الجميع . وأنا على يقين بأن كثيرا ً من فقهاء اليوم والأمس يقولون بالطهارة، ولكنهم يخشون أهل الجهل ، والله أحق أن يخشوه " فقه الإمام جعفر الصادق ج1/30.


2. " وقيل : إن محمد تقي المجلسي كان يذهب إلى حلية شرب التبغ ، بل كان يرى أن استعماله لا يبطل الصوم ، وكان يستعمله في حال صومه صوما ً مستحبا ً ، وأما عندما يكون صائما ً صوما ً واجبا ً ، فإنه كان يتجنب شرب التبغ حذرا ً من العوام " مجلة المنهاج ع49/ ص299.


3. الشيخ الدكتور عبد الجبار الرفاعي :


" إن الإسراف في رعاية أذواق العامة، والتكتم على الآراء الحقّة، وتلبيس الحقيقة وعدم تثقيف الناس عليها، يفضي إلى ترك عقل الأمة فريسة للخرافات والأوهام، فتتغلب الأمية الثقافية في حياتها، ويتعرض وعيها للتزوير.


وعادة ما تسود هذه الحالة حين يدخل مسار الفكر مرحلة التقية، خشية ثورة الناس، وإثارة حنقهم وغضبهم، إذا ما سمعوا أو قرؤوا أو شاهدوا ما لم تعرفه حياتهم الساكنة. فيحتجب صوت الإصلاح ، وربما يلجأ البعض إلى أن يبدي ويعلن مالا يعتقد، ويزدوج خطابه فيتحدث في المحافل العامة بغير ما يقوله في حلقات البحث العلمي، أو يكتب ويقدّم لهم الفكرة التي تجاري أذواقهم، وتأمن سخطهم، وتضمن رضاهم. فيما يظل متسترا ً على قناعاته ورؤاه الخاصة بعيدا ًُ عنهم " جدل التراث والمعاصرة/74.


4. السد هبة الدين الشهرستاني :


" وأما في القرون الأخيرة ، فالسيطرة أضحت للرأي العام على رأي الأعلام، فصار العالم والفقيه يتكلم من خوفه بين الطلاب غير ما يتلطف به بين العوام والعكس، ويختار في كتبه الاستدلالية غير ما يفتي به في الرسائل العملية، ويستعمل في بيان الفتوى فنونا ً من السياسة والمجاملة خوفا ً من هياج العوام . هذه الحالة تهدد الدين بانقراض معالمه واضمحلال أصوله، لأن جهّال الأمم يميلون من قلة علمهم ونقص استعدادهم وضعف طبعهم إلى الخرافات وبدع الأقوام والمنكرات. فإذا سكت العلماء، ولم يزجروهم ، أو ساعدوهم على مشتهياتهم، غلبت زوائد الدين على أصوله، وبدعه على حقائقه، حتى يمسي ذلك الدين شريعة وثنية همجية تهزأ بها الأمم" مجلة العلم، السنة الثانية(1911م) ص 266.


5. الشهيد مطهري:


" آفة المجتمع:


المجتمع يشبه الفرد في كثير من الحالات، ومن ذلك الإصابة بالآفات، وطبيعي أن تكون آفة المجتمع خاصة بالمجتمع، ولكل مجتمع آفته الخاصة به. إن الآفة التي أصابت مجتمعنا الديني بالشلل وأقعدته عن العمل هي "الإصابة بالعوام" وهي أشد بلاء من الإصابة بالسيول أو الزلازل أو لسع العقارب والحيات. إن أصل هذه الآفة هو نظامنا المالي. إن منظومتنا الدينية على أثر إصابتها بهذه الآفة، لا تستطيع أن تكون طليعة فتتحرك أمام القافلة، وأن تهدي القافلة بالمعنى الصحيح للهداية، إنها مضطرة إلى التحرك وراء القافلة. إن من سمات العامّة أنهم لا يفارقون القديم الذي اعتادوا عليه، بل يتمسكون به دون تمييز بين حق وباطل، إنهم يعتبرون كل جديد بدعة وإتباعا للأهواء. لا يعرفون قوانين الطبيعة ومقتضيات الفطرة، لذلك فإنهم يخافون كل جديد من هذا المنظور، ويحافظون على الوضع القديم دائماً.


فمجتمعنا الديني المصاب بآفة العامة لا مندوحة له عندما يريد أن يتحدث في مسألة اجتماعية من الخوض في مسائل سطحية ثانويّة، مبتعداً عن الجذور العميقة التي يتعامل معها بطريقة تدل مع الأسف على تأخره، وعلى نقضه الإسلام، مما يكون سلاحاً بيد أعداء الإسلام. إنه لمدعاة للأسى حقا ً أن نجد هذه الآفة تقيد الأيدي والأرجل، ولولا ذلك لاستبان بكل وضوح أن الإسلام جديد في كل عصر وزمان حقّا ً ، "لا تفنى عجائبه ولا تنقضي غرائبه" ولعرف أن أعرق النظم الاجتماعية في عصرنا هذا ليس قادرا ً على منافسة الإسلام.


ليس أمام مجتمعنا الديني سوى السكوت في موضع الكلام، والسكون في موضع الحركة، والنفي في موضع الإثبات، لأن ذلك ينسجم مع طبيعة العامة.إن من سمات غلبة العامة من الناس هي منشأ رواج الرياء، والمجاملة، والتظاهر، وكتمان الحقائق، والاهتمام بالمظاهر، وشيوع الألقاب والمقامات، والتطلع إلى المراكز العليا في مجتمعنا الديني مما لا نظير له في العالم. إن غلبة العوام هي التي تدمي قلوب أحرارنا وطلاب الإصلاح فينا .


لقد ارتأى المرحوم آية الله الحاج الشيخ عبد الكريم الحائري اليزدي، مؤسس الحوزة العلمية في قم، أن يطلب من عدد من الطلبة تعلم اللغات الأجنبية وبعض العلوم كمقدمات، لكي يستطيعوا عرض الإسلام على الطبقات المثقفة الجديدة، وفي البلدان الأجنبية، ولكن ما انتشر هذا الخبر حتى جاءت جماعات من العامة وأشباه العامة من طهران إلى قم، وقالوا أن هذه الأموال التي يدفعها الناس باسم سهم الإمام، لا يقصد بها أن تصرف لتعلّم الطلبة لغـة الكفار، وإنهم سوف يفعلون كذا وكذا، إذا نفذ الاقتراح. فلما رأى المرحوم أن ذلك سيكون سبباً لانهيار الحوزة العلمية من أساسها، ألغى فكرته مؤقتاً. وبعد ذلك بسنوات في عهد زعامة المرحوم السيد أبو الحسن الأصفهاني، عقد عدد كبير من علماء النجف الأشرف وفضلائها المبرزين، وبعضهم اليوم من مراجع التقليد اجتماعاً تبادلوا فيه وجهات النظر، واتفقوا على إعادة النظر في برنامج الدروس التي يدرسها الطلاب، آخذين حاجات المسلمين الآنيّة بنظر الاعتبار، وبالأخص تلك المسائل التي هي جزء من أصول عقائد المسلمين فيدخلونها في البرنامج لتدريس الطلاب، وكان الهدف هو إخراج الحوزة العلمية في النجف من نطاق الاقتصار على الفقه والرسائل العلمية. ورفعت هذه النتائج إلى المرحوم لإقرارها، غير أن المرحوم ، وقد سبق له أن تلقى درسه مما جرى مع المرحوم آية الله الحائري ومن أمثال ذلك، أرسل يقول: مادمت حياً لا يحق لأحد أن يغيّر من تركيب هذه الحوزة. وأضاف: إن سهم الإمام، الذي يوزّع على الطلاب، يجب أن يكون من أجل الفقه والأصول دون غيرهما. ومن البديهي أن ذلك كان درسا ً لا ينسى للفضلاء الذين هم رؤساء الحوزة العلمية في النجف الآن.


لماذا خرجت حوزتنا العلمية من شكل جامعة دينية إلى شكل كليّة فقهية؟ لماذا عندما يبرز علماؤنا وفضلاؤنا ويشتهرون يخفون ما عندهم من العلوم، غير الفقه والأصول، وينكرونها؟ لماذا يكثر العاطلون والمتطفّلون في هذا الوسط المقدّس، بحيث أن الزعيم الديني إذا أراد، أن يسقي نبتة ورد، يضطرّ إلى سقي الأشواك والنباتات الطفيلية الكثيرة؟ لماذا يطغي السكوت والسكون والتغافل في محيطنا الديني، على المنطق والحركة والحياة؟ لماذا ضعفت فيما بيننا حرية الفكر والعقيدة؟ لماذا لا ينظّم منهاج تدريس طلاب العلوم الدينية تنظيماً يتفق ومتطلبات العصر؟ لماذا نرى طلاب العلوم الدينية بدلاً من أن يكونوا سباقين في الطليعة والهادين لمسيرة المجتمع، يعرجون خلف القافلة؟ لماذا؟ لماذا؟!." الاجتهاد في الإسلام أو المشكلة الأساس في جماعة علماء الدين /ص53.


6. الشهيد الصدر :


" إن مشكلة علماء السنة هي أنهم توظفوا عند الدولة، فهم عنها ساكتون، ومشكلتنا نحن أنَّ وارداتنا من عامة الناس، فنسكت عنهم قليلا ً" محمد باقر الصدر، السيرة والمسيرة، ج2/101.


7. الشيخ أحمد عبد الله أبو زيد العاملي:


" وهذا الكلام يجري كذلك في الاتجاه المعاكس، أي أن الفقهاء قد يسكتون عن أمور يرونها محرمة مراعاة لبازار الناس، من قبيل الموارد التي ينهج فيها الناس في ممارسة بعض الشعائر مناهج لا يرتضيها الشرع وباعتراف العلماء أنفسهم، أو أنها تحولهم عن الهدف المنشود ولو كانت مباحة بالاصطلاح الفقهي، ومع ذلك يسكتون" المصدر نفسه ص 454.


8. الشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء :


" كان من العادات السيئة في النجف الأشرف والتي لا تزال تتزايد وتتسع منذ السنين المتطاولة والأحقاب هو ما يتظاهر به دهماء الشيعة في النجف وغيرها، في العشرة الأولى من هذا الشهر ويسمونها فرحة الزهراء، وعيد عمر، زاعمين أن قتل الخليفة كان في اليوم التاسع منه، مع اتفاق مؤرخي الفريقين أنه كان في أخريات ذي الحجة، وكان أثر هذا الزعم الباطل لا يتجاوز إظهار الفرح والسرور، وإنشاء مدايح الأئمة (ع)، ثم بلغ إلى شتم الخلفاء وسبهم وإعلان مثالبهم، مما لا يرضى به عقلاء الشيعة، وعلماؤها بل لا يرضى به الله ورسوله ولا الأئمة الطاهرون (سلام الله عليهم).


ثم تفاقم الأمر حتى بلغ إلى حد شبه الجنون من إيذاء بعضهم لبعض بالضرب والإهانة وخصوصا ً لأهل العلم وأرباب العمائم وذوي التقى، عند مرورهم في الشارع والأسواق، من الضرب بالخرق، والقشور، والحجارة، وربما أصابت رؤوس المؤمنين أو عيونهم، ولذا كان الكثير من ذوي الصون والعزة، يحتجبون في بيوتهم طول تلك الأيام العشرة، لا يخرجون حتى لقضاء أهم مصالحهم. ثم زاد البلاء في هذه السنوات بكثرة استعمال المفرقعات الهائلة التي تدوي أصواتها كالمدافع، وكان أكثر ضربها في الصحن الشريف فكانت ساحة الصحن لا تهدأ ليلا ً ولا نهارا ً من تلك الزعقات والصواعق التي تصم الآذان بأصواتها، وتعمي العيون بدخانها، سيما في أوقات الصلوات وإقامة الجماعات.


أما يوم التاسع فيحدث في الصحن الشريف من المنكرات، والفظايع، ما لا يستطيع القلم حصره، ولا اللسان ذكره، ولا تقام فيه جماعة، وربما يلجأ بعض المؤمنين فرارا ً إلى داخل الحرم فيهجمون عليه ويستخرجونه بالشنعة والتشهير.


مضت الأحقاب والسنون على هذه الشؤون والشجون ولا آمر بالمعروف ولا نهي عن منكر، وكنت من مدة سبع سنوات أهمّ كل سنة أن أقوم بإصلاح هذا الفساد، ورتق هذا الفتق، وعلاج هذا المرض الاجتماعي القاتل، فكان العقلاء وذوو الرأي يمنعونني ويثبطونني قائلين: إنك لا تطاع في هذا، وإن الأمر قد بلغ عند العوام والسواد إلى حد الفريضة بل أهم منها، وكانوا يحذروني من الوهن الفظيع، والسقوط العميق مؤيدين دعواهم هذه بإحجام من مضى من العلماء الأعاظم وأساطين الدين ممن كان أبعد صوتا ً، وأعظم صيتا ً، عن المنع عن هذه المنكرات التي كانت تجري على رؤوسهم وبمرأى ومسمع، كل ذلك علما ً منهم بعدم التأثير " عقود حياتي/298


علي المحرقي


27/7/2012م

التعليقات (0)

شارك بتعليقك حول هذا الموضوع

CAPTCHA security code

شارك هذا الموضوع