شارك هذا الموضوع

السيد محمد صالح العدناني (4)

في هذه الأثناء كنت مستغرقا ً في قراءة ديوانه "عرائس الجنان" والذي ابتعته من أجل قصيدته التي قالها في تأبين الشيخ مغنية، كما أشرت من قبل، وهذه القصيدة أثبتها كاملة في كتابي "محمد جواد مغنية.. سيرته وعطاؤه" . لم أتمكن من قراءة الديوان حينذاك، لانشغالي بإعداد ومتابعة الكتاب، والآن وجدتها فرصة سانحة لقراءة الديوان بتأنٍٍ. قرأت الديوان فوجدته خليطا ً من الفنون الشعرية، مدح ورثاء وغزل عفيف وغزل فاحش وإخوانيات وأشعار في العقيدة وأخرى في أولاده وحول حياته وعلاقاته .. وغيرها الكثير الكثير. كل ذلك تجده في ديوانه الضخم، والديوان بحق يعدّ سجلا ً حافلا ً لحياة السيد ولأفكاره وانطباعاته وآرائه وعقيدته ونظراته، ويمثل مرآة صادقة وواضحة لما يؤمن به، وما يحمل من أفكار ورؤى . وسوف أتعرض لهذا في الحلقات القادمة . ووجدته لونا ً مختلفا ً عما قرأت من قبل من دواوين شعرية، وعلى الأخص لشعراء البحرين، مما زادني تشوقا ً للتعرف على صاحبه، ومحاولة التقرب منه كثيرا ً، واستكشاف هذه الشاعرية الفذّة التي أبدعت هذا الفن، وأخرجت لنا هذا السفر الثمين.
وفي الوقت ذاته صادف أني لقيت عددا ً من مجلة "المواقف" البحرينية، والتي انقطعتُ عن قراءتها والاطلاع عليها فترة طويلة، وإذا بي أُفاجأ بقصيدة جديدة للسيد تنشر في هذا العدد من المواقف، ومن بعد ذلك عرفت أنه يكتب فيها بانتظام، وينشر في كل عدد جديد قصيدة، ولا ينشر القديم، مما يعني أنه في كل أسبوع قصيدة جديدة. ولا أخفي على القارىء أني لم أكن راضيا ً عن أغلب تلك القصائد المنشورة، ولم أكن مرتاحا ً لما فيها من مجاملات في أغلبها يقدمها السيد لأسماء، يكتب السيد هذه الأبيات كسبا ً لودها، بينما يعرف هو قبل الجميع وهو الشاعر الكبير أن الشعر الخالد هو الشعر الصادق الذي ينبثق من عمق الذات، ويتخلق في رحم التجربة .. ومن وقتها بدأت أقرأ بانتظام "المواقف" من جديد، وذلك حرصا ً مني على قراءة الجديد من أشعار السيد وأدبه ، والجميل في هذه القصائد أني وجدت السيد في أغلبها يواكب الأحداث المحلية والعالمية بشعره، ويكتب فيها أشعارا ً مطولة، ولكأنه أمير الشعراء أحمد شوقي..
في أحد الأيام اتصل بي على غير توقع أو انتظار نجله السيد جمال الدين، وقال لي: بأن والده يسأل عني، ويود مني زيارته إنْ لم يكن عندي ما يمنع؟ فقلت له: في أقرب فرصة سأكون عنده في الشقة.
ذهبت إليه في اليوم الثاني فوجدته يكتب أيضا ً، دفعني الفضول هذه المرة لأن أعرف ماذا يكتب، وفيم يكتب ، ففي كل مرة أدخل عليه أجده ماسكا ً بالقلم ومنكبا ً على المكتب وعلى الأوراق، ولم أجده مرة واحدة جالسا ً هكذا !! سألته: ماذا تكتب سيدنا ؟ فقال لي: أنا أكتب الآن في كتابين معا ً، الأول أؤرّخ فيه الأحداث المهمة والبارزة في التاريخ حسب التاريخ الهجري، وأمشي في ذلك يوما ً بعد يوم، فأول يوم هو الحادي من شهر محرم الحرام، فأدون فيه ما جرى من أحداث ومواليد ووفيات ومناسبات وغيرها. أما الكتاب الثاني فهو كتاب شبيه بالكشكول، أو هو كشكول حقيقة، وهو كتاب ضخم، ربما تصل أجزاؤه إلى أكثر من 30 جزءا ً، واسمه "المذكرات".
ومن الواضح أن السيد يكتب في كتابه "المذكرات" من سنوات طويلة، وكلما وجد الجديد أضافه لهذا الكتاب، ويدل على هذا كثرة استشهاداته بالمذكرات، وإحالته إلى بعض أجزائه، ومن ذلك ما كتبه في ديوانه في أكثر من صفحة، من ذلك مثلا ً: قوله : " في المذكرات 7/32" (3/302)، وقوله :" في المذكرات 7/3" (3/292).. وغيرها. وقد شاهدت هذه الموسوعة بنفسي وهي مخطوطة في شقته، وكنت ألمحها قريبة منه، حيث وضع الأجزاء عن يمينه الواحد بعد الآخر، وقام بتجليدها بجلاد لونه بني ، وهي في دفاتر صغيرة الحجم.
كما قلت فإني ما دخلت عليه مرة إلا وهو يكتب ، أما الشعر فلا أذكر أني وجدته مرة يكتبه، ولكن من الواضح أنه يكتب الشعر بغزارة ، ويدل على ذلك آلاف القصائد والمقطوعات، ومئات الألوف من الأبيات المطبوعة والمخطوطة، وفي أغلبها قصائد مطولة، وذات نَفَس طويل ممتد، وغزارته الشعرية شيء ملفت للنظر، هذا إذا تأملنا إلى أنه لم يكن متفرغا ً للشعر تماما ً، بل كانت كتبه النثرية بالعشرات، وفي مجلدات عديدة، مما يستهلك النثر جل وقته، ويحتاج إلى قراءات واسعة ومصادر عديدة، واطلاع متواصل، ومع هذا كله، ومع أنه كتب أكثر من 100 كتاب إلا أنه جاء في شعره كالسيل المتدفق الذي لا يعرف التوقف حتى آخر أيامه، وهو على فراش الرحيل، وسيفارق الدنيا قريبا ً، كان الشعر على لسانه.
تقول ابنته السيدة فضيلة الموسوي وهي التي كانت ترافقه حتى آخر أيامه :
" بيد أنه لم ينسَ حكمياته وهو في المستشفى:
لا تذكر المرء يوما ً حال غيبته
  إلا بما فرحا ً يهديه لو سمعا
 
فكلما قلت فيه قيل فيك به
  والفضل في هذه الدنيا لمن ورعا
 
ويعود يتمنى الموت:
تأخر القوت منهم فاعتمدت على
  ترك الطعام لألقى الموت في وهن
 
لكن رأيت احتمال الجوع أعظم من
  حمل الحياة على ما فيه من محن
 
الناس يا قوم من ماء ومن طعم
  ودون ذلك تهوي الروح بالبدن
 
ثم في 14 يناير جاءه الطبيب فأخبره بأنه سيجري له عملية منظار لتوسعة بعض قنوات الجهاز الهضمي ويستدعي الأمر تخديرا ً كاملا ً فوافق دون تردد وقال :
دعها تخدر أعضاك الجميع عسى
  تلقى بذاك الشفا بالموت والرشدا
 
وتستريح من تعب الدنيا ومن التف
 كير فيك جميع الأهل والبعدا
 


وأظن لو أن أشعار السيد كلها جُمعت في ديوان واحد، وقام أحدهم بتحقيقها وضبطها والتعليق عليها لفاق هذا الديوان في حجمه ديوان أحمد شوقي أو ابن الرومي. فالسيد يكتب الشعر بسلاسة وانطلاق وسهولة، والشعر يجري على لسانه بيسر، ولا يجد أي عناء في إنشاده وكتابته، وكما ذكر لي ذات مرة أنّه خُلِقَ شاعرا ً ، والشعر يأتيه إلهاما ً، وينزل عليه كأن أحدهم يملي عليه البيت بعد الآخر، والقصيدة بعد القصيدة.


وللحديث بقية

التعليقات (2)

  1. avatar
    حسن النافع

    شكراً استاذي الفاضل على الطرح اللذيذ لهذه الشخصية الكبيرة التي لم يعاصرها جيلنا نحن الشباب ولكننا نتعرف عليها و نتقرب منها أكثر و أكثر من خلال كتاباتكم .. و ننتظر البقية بشغف .

  2. avatar
    رضي العجوز الماحوزي

    بإنتظار البقية وبشغف أستاذي العزيز ..

شارك بتعليقك حول هذا الموضوع

CAPTCHA security code

شارك هذا الموضوع