شارك هذا الموضوع

السيد محمد صالح العدناني (3)

ذكريات اللقاء والصحبة


فبعد تلك الأبيات التي قالها في أم كلثوم انتقل مباشرة لرثاء الحسين (ع)، فقال :


تطوي بنا صحف الفلا سيّارة *** كاد السرور قلوبنا يطويها


كالنيرين لها سراجا ً طلعة *** عين السنا تبدو وتغرب فيها


فتريك في ليل إذا لمعت ذكا *** وإذا انبرت فالبرق لا يحكيها


نهد تشق بنا القفار كأنها *** مهر الحسين كما جرى تجريها


مهر من الخيل العتاق يحس من *** علم السما ما الناس لا يؤويها


لم تجر قط على الخطا خطواته *** فطريق نصر الحق لا يخطيها


عرف الطفوف فقام فيها قبل أن *** يصل البيان من ابتغى يبنيها


يوحي بذاك إلى الحسين مشورة *** كيلا يرد مشورة يوميها



وهنا العجب العجاب مما رأينا من السيد، فكيف يبدأ أبياته في سيد الشهداء أبي الأحرار الإمام الحسين سبط رسول الله (ص) بالتغني بصوت مطربة ؟!! وكيف طاوعته نفسه بأن يبدأ مستهل قصيدته في بيان فن وجمال صوتها ؟! وكيف طاوعته نفسه أن ينقلنا في قصيدة واحدة من عالم الغناء والطرب والموسيقى، عالم الانحدار والشهوة، إلى عالم السمو والروح والفضائل والقيم، عالم العصمة والإمامة والشهادة ؟!! لا يمكننا أبدا ً أن نتقبل منه ذلك ، وأرى أن هذه القصيدة سقطة من سقطاته، وزلّة من زلاته التي لم يحسب لها حساب.  والمدهش أنني لم أصادف قط شاعرا ً صنع الذي صنعه السيد، على الرغم من كثرتهم، وحتى أصحاب الاتجاهات اللادينية، فهم يعرفون حدود الأشياء، ومسمياتها.


فالحسين (ع) والأئمة لهم خصوصياتهم وعوالمهم وقدسيتهم، ولا يُتقبل أن يقرن عالم من العلماء أصحاب التقوى والعمل والجهاد بمغنية، فكيف الحال بسبط رسول الله، وسيد الشهداء، الحسين (ع) ؟ !  وحين يُتغزل بمغنية فهذا عالم، وحين يمدح الحسين (ع) فهذا عالم آخر، ولا يمكن المزج بينهما في بوتقة واحدة، أو حتى التفكير في ذلك. سنقول هذا الكلام لو كان الشاعر شاعرا ً لا دينيا ً وأيّا ً كان، أما والشاعر عالم من علماء الدين، وخطيب من الخطباء فالحيرة هنا أشد، واللوم أعمق .. غفر الله لنا وله.


وحين توطدت العلاقة بيني وبينه، وصرت أكثر انفتاحا ً معه ومصارحة في أحاديثنا ومناقشاتنا، رحت أتبادل معه الحوار الهادئ والموضوعي حول مسألة حرمة الغناء، وهي المرة الأولى التي أجادله فيها، ووجدته مصرا ً على موقفه وقناعاته، وكان يرى بوضوح ورسوخ فكر أن الغناء مثله مثل السكين-حسب تشبيهه- فإذا استخدمته في الباطل صار باطلا ً، وإذا استخدمته في الخير صار خيرا ً، أما أن نقول هو حرام بإطلاق فهذا غير مقبول، وكان كثيرا ً ما يضرب مثلا ً على قناعته ورأيه بقصائد أحمد شوقي وأبي فراس الحمداني والتي غنّتها أم كلثوم، وهذا القول منه يؤكد مدى إعجابه بأم كلثوم، وبافتتانه بها، وبأنه كان مكثرا ً من الاستماع لها. عند ذلك لم أحبذ أن أعاود طرح الموضوع معه، ومناقشته في قناعاته الخاصة.


أعود للقائي معه بعد هذا الاستطراد..
جلست معه تلك الليلة، وأتذكر أنها كانت ليلة باردة، وبعد أن عرّفته باسمي، وأوضحت له غرضي من الزيارة أغلق المذياع، وترك ما أمامه من أوراق وأقلام وانتبه لي باهتمام ، مستمعا ً تارة ومتحدثا ً تارة أخرى. وكنت أنا في الغالب مستمعا ً، عدا ما كنت أسأله أحيانا ً أو أعلق أحيانا ً أخرى.


في اللقاء سألته عن قصيدته التي كتبها في الشيخ محمد جواد مغنية فأخبرني بموضعها في ديوانه"عرائس الجنان" ومناسبتها، وقال لي: إذا أحببت أن تقتني الديوان فهو لديّ، ومن الممكن شراؤه عن طريق ولدي.. وبالفعل اشتريته من أجل القصيدة، وهو في 3 مجلدات كبار، كان هذا هو الدافع، ولا شيء غير ذلك ..


وهنا لابدّ لي من الاستطراد مرّة أخرى، فهي سوانح وذكريات، وليست كتابا ً علميا ً، أو دراسة نقدية وفكرية، أقول : من خلال علاقتي الممتدة بالسيد وإلى حين رحيله  لم أتذكر أنه أهداني كتابا ً من كتبه الكثيرة، حتى بعد أن ترسّخت علاقتي به، وصرت أتردد عليه كثيرا ً في منزله، ولا كتابا ً واحدا ً من كتبه الخمسين المطبوعة، وإنما كان يقول لي حين أبدي أمامه رغبتي الملحة في الحصول على عنوان واحد من كتبه : أي كتاب تود أن تشتريه فاكتب اسمه وسيحضره لك ولدي السيد جمال، فكنت أتعامل مع ولده بهذه الطريقة، وغالبا ً عن طريق الهاتف، أما أن يهديني كتابا ً فلا أتذكر أن ذلك حدث، فكنت أدفع المبلغ كاملا ً، أو كنت أشتري بعض كتبه من المكتبات التجارية ..


أقول هذا لا من باب التذمر أو الضيق أو الانتقاص .. لا والله، فأنا أشتري الكتاب من أين كان مصدره، ومكانه، وإذا كان يستحق القراءة وجديرا ً بالاقتناء فلا يهم المال بعد ذلك، وأنا ألتمس للسيد العذر بعد الآخر، فهو سارح الفكر غالبا ً، ولا لديه أدنى اهتمام بهذه البروتوكولات، أو العلاقات، أو ما يطلق عليه البعض الذوق، ومن الواجب أو غيره، بل هو منشغل بالكتابة، ولا شيء غير الكتابة، كما أني من الذين يرون أن المؤلف من حقه بعد هذا الجهد الذي عاناه وبذله في تأليف كتابه، من حقه علينا أن نشتري كتابه بالمال وإن غلا، لا أن نطلب فيه الهدية، ويظل ينثر الكتاب هنا وهناك إهداء ويضيع جهده وتعبه وسهره الطويل . لذا كنت أشتري كتبه وأنا في غاية الرضا والقبول، لما أرى فيها من فائدة، ولا تخلو من متعة، وبالطبع ليست كل كتبه، وإنما البعض منها.


في هذا اللقاء سألته عن رأيه في الشيخ محمد جواد مغنية، وتحديدا ً عن مآخذه عليه إن كان يرى ذلك، فأشار إلى رأي الشيخ مغنية في نزول "عبس وتولى" في النبي (ص) خلافا ً لمجموعة كبيرة من مفسري الشيعة، وكذلك رأيه في معجزة انشقاق القمر.. لم أرتئي ليلتها أن أجادله في رأي الشيخ، وفي آراء مفسري الشيعة في توجيه الآية، وكذلك في معجزة انشقاق القمر، ولم أكن أحب أن أطيل اللقاء، لأنه كان منشغلا ً بالكتابة، ولأنه سريعا ً ما أثنى على الشيخ بحرارة، وبالغ في بيان مكانته العلمية والجهادية، ثم توجه لي بالحديث، وحاول أن يشجّعني على المضي قدما ً في الكتابة، فهي عمل جليل وجميل معا ً، خصوصا ً أن الكتاب يدور حول حياة الشيخ مغنية، ثم طالبني بأن أنجز العمل سريعا ً، ولا التكاسل، وبارك لي ذلك ودعا لي بالتوفيق .. ففهمت أنه عليّ أن لا أطيل أكثر في جلوسي، وصار من المناسب أن أنصرف الآن، وأعتذر له، وأشكره على تفضله بقبوله لهذا اللقاء، وحديثه الممتع معي، وتشجيعه إياي.


أنجزت الكتاب، وطبعته عام 1997م، ثم طبعت كتابي الثاني "متناقضات القرآن" عام 1999م، والغريب أني لم أقم بإهداء السيد نسخة من كتابي "محمد جواد مغنية" اكتشفت هذا متأخرا ً ، وكان من المفترض ومن الذوق أن أصنع ذلك، إذ كان له دور في إمدادي ببعض المعلومات والانطباعات حول الشيخ مغنية، ولا أدري لِمَ غفلت عن السيد؟! ربما لانشغال الناس آنذاك بالأحداث الجارية في البحرين، مما جعلتني لا أتذكر حتى السيد نفسه، أو ألتفت للكتاب وإهدائه لمن يستحق من العلماء والإخوان.. أقول ربما، فالفترة بعيدة.


بعد ذلك طبعت كتابي "قتل الشعراء" عام 2003م، ووجدتها فرصة سانحة لأن أهدي السيد هذه المرة نسخة من كتابي، وليس هناك أمامي من مبرر أو عذر يشفع لي إنْ لم أقم بهذا، وذلك عرفانا ً وشكرا ً على لقائه بي، وتكفيرا ً عن خطأي السابق ..


سألت أحد أبنائه عن كيفية اللقاء به، وأين أجده هذه المرة، فأخبرني بأن أباه يسكن الآن شقة صغيرة بالطابق الثاني لإحدى العمارات بغرب السنابس، وتحديدا ً بالقرب من مسجد "الخضر"، قلت له: هل من الممكن أن ترتب لقاء يجمع بيني وبينه ، لأني أود أن أهديه نسخة من كتابي الصادر حديثا ً؟  قال: لا يحتاج الأمر لكل هذا، فوالدي موجود أغلب أوقاته في الشقة لا يبارحها إلا نادرا ً، اذهب إليه، وعرّفه بنفسك، ومن ثم أعطه نسخة من الكتاب .


ذهبت إليه في إحدى الليالي، وحين اقتربت من العمارة التي قصدتها حسب الوصف، سألت أحدهم وكان خارجا ً بالطابق الثاني عن السيد فدلّني على شقته، اتجهت إليها وطرقت جرس الباب خفيفا ً، خرجت لي سيدة وكلّمتني بلهجة ليست عربية، بل هي خليط بين العربية والهندية، عرفت فيما بعد أن هذه السيدة هي زوجته الأخيرة، وهي التي تعيش معه في هذه الشقة، طلبت مني الانتظار لحين تُعلم السيد بأمري، فانتظرت قليلا ً، ثم أذنت لي بالدخول .. وأشارت لي ناحية تواجد السيد لأدخل عليه..


وهنا أحب أن أشير لأمر في غاية الأهمية والغرابة، فخلال هذه المدة الطويلة التي جمعتني بالسيد، ومن خلال عشرات الزيارات التي قمت بها للسيد محمد صالح لا أتذكر أنه في واحدة منها قام بفتح الباب وإدخالي، فهو لا يتحرك من مكتبه على الإطلاق، مهما يكن الطارق، بل يظل جالسا ً مستغرقا ً في الكتابة والانكباب على الورق بشكل مثير ، هذا الاستغراق لا يريد السيد أن يقطعه قاطع، من زائر أو حركة يقوم من خلالها عن الورق ويتوقف عن الكتابة، وإنما يترك هذه المهمة إما لزوجته إذا لم يكن في البيت إلا هو وهي، أو يقوم بفتح الباب ولده السيد جمال، ومن كثرة ترددي عليه عرفتني زوجته جيدا ً، وصار منظري مألوفا ً بالنسبة لها، وكذلك اسمي، فكانت تكتفي بسؤالي من بالباب ؟ فأقول: علي المحرقي، فتدخلني مباشرة عليه، فأتجه إلى غرفة المكتب حيث يتواجد السيد، ولم أكن أراها، فقط أسمعها تسأل مِن وراء الباب هذا السؤال ، ومن ثم تفتحه فأفهم من ذلك أنني أدخل فأدخل عليه مسلما ً. وهكذا يسير النظام معه في كل زياراتي .


الشقة تقع كما قلت في الطابق الثاني، وبابها يقع في الشرق منها، والداخل يجد غرفة المكتب على يساره مباشرة.. دخلت عليه المكتب ومعي نسخة من كتابي "قتل الشعراء" .. بقي أن أشير إلى أن باب الغرفة كان دائما مفتوحا ً والسيد يكتب، ولم أره يوما ً ما مغلقا ً عليه. وجدت هذه الغرفة الصغيرة في غاية الترتيب والنظافة والجمال ، وكلها ورود وصور ومناظر مختارة بعناية ورائحة العطر تفوح منها، وهي هكذا دائما ً، فالسيد ينعزل في هذه الغرفة الضيقة الجميلة والأنيقة ، ويعيش في ظل هذه الأجواء وينسى الدنيا ويكتب في كنف هذا الهدوء والنظام والسكينة. وفي ركن منها مكتب لا بأس بحجمه، وعليه لوح من الزجاج .. وفي هذا اللقاء المنظر ذاته يتكرر، دخلت عليه وإذا به منحنٍ على المكتب يكتب، وأظنه لم يشعر بدخولي، ربما لاستغراقه في الكتابة، أو لأني دخلت بهدوء وسلاسة، أو لضعف بصره، أو لهذه الأسباب الثلاثة معا ً.. أو من الممكن أنه شعر بدخولي وعلم به، ولكنه لم يشأ أن يقطع ما كان منشغلا ً به، أو يتوقف عن الكتابة.


فجأة توقف عن الكتابة وترك القلم والأوراق وتوجّه إليّ، فرحّب بي بحفاوة، فذكّرته بي، وبلقائنا في بيته في النعيم أولا ً، وباللقاء الثاني في السنابس الشرقية حول مغنية، تذكر الثاني ولكنه نسي اللقاء الأول ، لأنه كان بعيدا ً جدا ً.


أعطيته نسخة من الكتاب وبداخله كتبت الإهداء الذي يتناسب معه ومع شاعريته ومكانته الأدبية، قرأ الإهداء ثم انشغل بتصفح الكتاب وقراءته، وظلَّ على هذا الحال مدة طويلة، وكأنه نسي أنني معه، جالس بالقرب منه أنتظر منه التعليق أو الحديث، ولعلّه نسي حتى وجودي معه بالغرفة، يبدو أن الكتاب شدّه، ففي هذا الكتاب ذكرت بتفصيل قصة مقتل مجموعة من الشعراء البارزين : المتنبي، دعبل،الكميت، سحيم،هاشم الرفاعي، بوشكين.. وغيرهم.


التفت إليّ فجأة وسألني عن الكتاب، وكيف جاءتني فكرته، واستفسر عن مصادره وكيف كتبته وطبعته، ومن ثم أثنى عليه، وأبدى إعجابه به، فالسيد شاعر أولا ًوقبل كل شيء ، فملكة الشعر هي الأبرز من بين ملكاته الأخرى، كالخطابة والكتابة والإلقاء وغيرها.. وتتفوق عليها بمراحل. ومن هذا المنطلق تجد السيد يحب الشعر حتى العبادة والسكر، ويحب كل ما له صلة بالشعر والشعراء، كل شيء، فشكرني كثيرا ً على هذه الهدية النفيسة، وأخبرني بضرورة زيارته، وتكرار ذلك في المرات القادمة، وأن لا تكون هي الزيارة الأخيرة، وأن أغشى مجلسه هذا، وأخبرني بأنه موجود هنا غالبا ً، وطوال الأسبوع ، لا يغادره إلا قليلا ً. فوعدته خيرا ً ، وإني سأمر عليه كلما سنحت لي الفرصة.  


وللحديث بقية

التعليقات (2)

  1. avatar
    حسن النافع

    الأستاذ علي المحرقي.. ملحوظة: بعد أن أسهبت في الاستطراد الخاص بأم كلثوم و افتتان السيد بها في الحلقتين (2) و (3) لم تذكر تفاصيل تبريرات و ردود السيد مثل ما ورد في قضية /" القصيدة/" وهو ما تستلزمه موضوعية البحث. و شكرا على السلسلة اللطيفة

  2. avatar
    رضي العجوز الماحوزي

    بارك الله فيك أستاذي العزيز .. هل بالإمكان مناقشتكم والتعليق على بعض ما تكتبوه .. بحثت لكم على (الفيس بوك) ولم أجد شيئاً ؟! وهاتفكم النقال دوماً مغلق ؟! وشكراً لكم

شارك بتعليقك حول هذا الموضوع

CAPTCHA security code

شارك هذا الموضوع