شارك هذا الموضوع

أهداف الحج الرسالية وفوائده التربوية

من أجل استجلاء هذه الأهداف واجتناء تلك الفوائد لابد لنا من الوقوف بتدبر عند كل شعيرة من شعائر هذه الفريضة المقدسة.


وقبل ذلك نحتاج إلى وقفة تبصر أمام أول واجب من واجبات الحج وأهم ركن من أركانه وهو النية الخالصة المعتبرة في صحته وتحقق الغاية المقصودة منه شأن سائر العبادات.


ولا أريد بالحديث حول هذا الركن الأساس بيان اعتباره في صحة الحج لكون ذلك من أوضح الواضحات بعد تسليم كون هذه الفريضة من الواجبات العبادية التي لا تصح بدون قصد التقرب بها لله تعالى وإنما أردت التنبيه على ما يخالط هذه النية من شوائب الشرك الخفي وهو الرياء الذي لا يسلم منه إلا من رحمه الله تعالى وتحذر من الإصابة بهذا المرض الخطير الذي يُودي بحياة عباداتنا لتقع باطلةً بسبب فقدها أهم شروط صحتها كما يؤدي إلى خسران الثواب الذي لا يحصل للإنسان إلا إذا توفق للعمل الصالح الصادر عن النية الخالصة والقصد السليم من كل الشوائب المؤثرة سلبياً على تحقق الإخلاص المصحح للعبادة والمقرب للعابد من ساحة القبول منه تعالى ونيل رضوانه.


دور الإخلاص في صحة العمل العبادي والنجاح في غيره


لذلك يتعين الوقوف أمام هذا الركن لالتفت شخصياً وألفتَ نظر الآخرين إلى أهمية وضرورة المحافظة على تحققه تمهيداً لنيل الغاية المقصودة المتوقفة عليه وهي صحة العمل العبادي وترتب الأجر عليه ونيل الثواب بفعل غير العبادي من الأعمال الصالحة الواجبة أو المستحبة.


وتحصيل المحافظة والإهتمام بتحقق الركن المذكور يكون بالتفكر والالتفات التفصيلي لدوره الحيوي في صحة العبادة ونيل ثوابها وثواب غيرها من الأعمال الراجحة غير العبادية.


ويتعين توفير ذلك أي التفكر والالتفات التفصيلي المذكور قبل الشروع بأي عمل وذلك بمحاسبة النفس والتدقيق في الباعث الباطني الداعي للإتيان بالعمل الراجح في نفسه فإذا أحرز المكلف تحققه وتجرده من البواعث الأخرى غير المقربة من الله تعالى حمد الله على ذلك وانطلق في درب عمله محافظاً على إخلاصه في نيته إلى نهاية الشوط. وإذا وجده مقترناً ببعض البواعث الأخرى المنافية للإخلاص فليبذل جهده في سبيل تنقيته وتجريده منها كما يطهر ثوبه وبدنه من النجاسة المانعة من صحة صلاته.


وبعد إحرازه صفاء الباعث وتخلصه من الشوائب المانعة من صحة العمل أو ثوابه وكماله يشرع به تعبداً لله تعالى ورغبةً في نيل رضاه وتوفيقه.


وحيث كان للنية الخالصة دورها الطليعي في قبول عبادات المكلف وترتب آثارها الإيجابية عليها في حاضر دنياه ومستقبل آخرته كما أن لها دورها في نجاح مساعيه المشروعة وإدراك غاياته المنشودة في جميع المجالات.


أجل: حيث كان للنية الخالصة هذا الدور الكبير فقد ورد الحث على الإخلاص لله فيها كتاباً وسنةً في أي عمل يمارسه المكلف على صعيد هذه الحياة وذلك بأن يأتي به بقصد التقرب لله سبحانه ونيل رضاه بعد أن يكون العمل راجحاً في نفسه وقابلاً لأن يقصد به التقرب لله تعالى قال سبحانه: ﴿وَمَا أُمِرُوا إلاَّ لِيعْبُدوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾(1).


وقال سبحانه: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فأولئكَ مَعَ المُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤتِ اللَّهُ المُؤمِنِينَ أَجراً عَظِيماً﴾(2).


وروى عن الرسول الأكرم قوله صلى الله عليه وآله وسلم: إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرىء ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته إلى دنيا يُصيبها أو امرأةٍ يتزوجها فهجرتُه إلى ما هاجر إليه (3).


وروي عنه أيضاً قوله صلى الله عليه وآله وسلم: يا ابن مسعود إذا عملت عملاً فاعمله لله خالصاً لأنه لا يقبل من الأعمال إلا ما كان لله خالصاً عليه السلام(4).


وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: يا ابن مسعود إذا عملت من البر وأنت تريد بذلك غير الله فلا ترجُ منه ثواباً (5) فإنه يقول: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَآئِه فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ وَزْناً﴾ (6).


هذا وتختلف درجة الإخلاص في النية قوةً وضعفاً باختلافِ درجة إيمان العامل المخلص فهناك قسم من العاملين يُريد بعبادة الله وإطاعته نيل التوفيق والنجاح في الدنيا والآخرة وعبر عن هذا النوع من العبادة بأنه عبادة التجار. وهناك قسم منهم يعبد الله سبحانه ويُطيعه بقصد السلامة من الفشل وعدم التوفيق في حاضر الدنيا ومن عذاب النار في الآخرة وعُبر عن هذا النوع بأنه عبادة العبيد وأُضيف إلى النوعين المذكورين نوع ثالث وهو الذي يصدر من العبد المؤمن الواعي لا بدافع الرغبة ولا بعامل الرهبة بل بدافع المحبة لذات الله سبحانه والإيمان بكونه أقلا للعبادة ويتجلى هذا النوع السامي الواعي في عبادة العارفين بالله تعالى الذين ذابوا في ذاته المقدسة حبا فازدادوا منه قرباً.


وفي طليعة العارفين بمقام الربوبية وحقها العظيم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته عليهم السلام وخصوصاً الإمام علي عليه السلام القائل في مناجاته لله سبحانه: (إلهي ما عبدتك خوفاً من نارك ولا طمعاً في جنتك ولكني وجدتك أهلاً للعبادة فعبدتك)(7).


وقد عبر عن هذا النوع الثالث من العبادة ـ بعبادة الأحرار كما ورد في حديث مروي عن الإمام الصادق عليه السلام في حقائق الكاشاني قده، حيث ورد فيه ما نقل عنه من قوله عليه السلام: (العُبادُ ثلاثة قوم عبدوا الله خوفاً فتلك عبادة العبيد وقوم عبدوا الله عزوجل طلب الثواب فتلك عبادة الأجراء وقوم عبدوا الله حباً فتلك عبادة الأحرار وهي أفضل العبادة)(8).


ويفهم من قوله عليه السلام وهي أفضل العبادة أن القسمين الأولين من العبادة لهما درجة من الفضل والقبول وليسا محكومين بالبطلان والسقوط في ميزان الاعتبار الإلهي.


والوجه في ذلك أن الميزان في صحة العبادة هو الإتيان بها مضافةً لله تعالى بوجه من وجوه الإضافة التي تربطها به وتقرب صاحبها منه بمقدار من القرب وهذا ينسجم مع الرحمة الإلهية وطبيعة الشريعة السماوية المتجاوبة مع الفطرة البشرية والطبيعة الإنسانية العامة التي تتحرك وتُحرك الكائن البشري في إطار حبه لذاته ورغبته في النعيم وسلامته من الشقاء الأليم حتى في حال ممارسته الطقوس الدينية التعبدية.


وأما الأشخاص الذين يذوبون في حب الله تعالى فينسون أنفسهم وتطلعاتهم الذاتية بحيث لا يصدر منهم سوى ما ينسجم مع ذلك الحب المقدس.


أما هؤلاء فأقلاء جداً ومثالهم الواضح الأنبياء المقربون وخصوصاً سيدهم الرسول الأعظم وأهل بيته الأطهار عليه وعليهم أفضل التحية وأزكى التسليم ويُلحق بهم السائرون على ضوء هداهم من المؤمنين الأبرار ويشهد بهذه الحقيقة الإيمانية الرائعة ما ورد في مناجاة علي عليه السلام السابقة التي يقول فيها: (إلهي ما عبدتُكَ خوفاً من نارك ولا طمعاً في جنتك ولكني وجدتك أهلاً للعبادة فعبدتك).


هذا ومن المناسب لجو هذا الحديث التنبيه على الوسيلة التي تساعد الإنسان المؤمن على تصفية نيته وتحصيله الإخلاص في عبادته وبعد هذا يترجح ذكر بعض القصص التاريخية المعبرة عن مدى تأثير النية ودورها الإيجابي أو السلبي في نتيجة العمل أو في بعض الحوادث الطارئة بمعزل عن العمل والتصرف الخارجي بحيث تكون النية بوجودها النفسي سبباً لحصول بعض النتائج الإيجابية أو السلبية بالتقدير الإلهي والعدل السماوي فأقول: إن الوسيلة المساعدة على تصفية النية من الشوائب المنافية للإخلاص فيها هو التفكر في النتائج السلبية المترتبة عليها أي على الشوائب وخصوصاً الرياء منها فهو يسبب خسارة ثواب الإخلاص في العمل مضافاً إلى العقاب الشديد الذي يتعرض له المرائي على ضوء الآيات والروايات الواردة في ذمه واستحقاق العقوبة عليه.


قال سبحانه: ﴿فَوَيْلٌ لِّلمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَن صَلاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَآءُونَ * وَيَمْنَعُونَ المَاعُونَ *﴾(9).


وقال تعالى: ﴿إِنَّ المُنافِقِين يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ وَإذَا قَامُوا إلىَ الصَّلاة قَامُوا كُسَالَى يُرَآءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إلاَّ قَلِيلاً *﴾(10).


وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قوله: إن النار وأهلها يضجون من أهل الرياء فقيل: يا رسول الله فكيف تضج النار ؟ قال: من حر النار التي يعذبون بها (11).


وقال صلى الله عليه وآله وسلم: المرائي يوم القيامة يُنادى بأربعة أسماء يا كافر يا فاجر يا غادر يا خاسر ضل سعيُك وبطل أجرُك ولا خلاقَ لك التمس الأجرَ ممن كنتَ تعملُ له يا مخادع(12).


إن المؤمن الواعي إذا تفكر في هذه النتيجة السلبية الخطيرة المترتبة على الرياء ونحوه مما يؤثر سلبياً على صحة العمل أو على ثوابه والتقرب به مع التفاته إلى أن كل ما يريد المرائي من مدح الناس وإعجابهم بعمله يحصل له إذا أخلص في نيته وأتى بعمله تقرباً لله تعالى لا للمدح ونيل الجاه ونحو ذلك من الدوافع المادية والمنافع الدنيوية الزائلة والذي يؤكد الاهتمام بتحصيل الإخلاص لله في نية العمل هو التفات العامل إلى حقيقة إيمانيةٍ موضوعية لا يشك فيها مؤمن ناضج العقل قوي الإيمان وهي توقف النجاح والتوفيق في أي عمل يمارسه الإنسان على صعيد هذه الحياة ـ على إرادة الله تعالى وتوفيقه بعد اختياره الهدف المشروع وإعداده المقدمات الطبيعية الجائزة التي يتوقف حصوله عليها لأنه من المعلوم على ضوء المنطق الديني أن الله سبحانه لا يرعى بعنايته ولا يوفق العامل لنيل غايته في الغالب ـ إلا إذا أخلص لله في نيته وللعمل بإعداد ما يتوقف عليه من المقدمات الطبيعية العادية قال سبحانه على لسان نبيه شعيب عليه السلام: ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إلاّ بِاللهِ عَلَيهِ تَوَكَّلتُ وَإلَيْهِ أُنِيبُ﴾(13).


وبذلك يُعرف أن المؤمن المخلص لله في نيته والمتوكل عليه في إدراك غايته بعد إعداد مقدماتها اللازمة لها يكون مضمونَ النجاح والربح غالباً في كلتا الدارين. وإذا قدر له عدم حصول أمنيته المشروعة المعجلة لحكمةٍ اقتضت ذلك فهو لا يخسر ربح العمل وثوابه في الآخرة لقوله تعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ﴾(14).


وذلك هو الربح الحقيقي الخالد المنعش لكيان الإنسان مادياً ومعنوياً قال تعالى: ﴿وَالأَخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾(15).


وقال سبحانه: ﴿وَلَلأخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الأُولَى﴾(16).


وعلى العكس من ذلك العامل غير المخلص في نيته فهو محكوم بالفشل والخسران إمَّا في كلتا الدارين أو في الدار الآخرة لو قدر له النجاح المادي أو المعنوي في هذه الحياة لحكمةٍ إلهية اقتضت ذلك ولكن لا قيمة لهذا الربح الزائل أمام خسارة الربح الحقيقي الدائم في دار السعادة والخلود قال سبحانه: ﴿مَن كَانَ يُريدُ حَرْثَ الأَخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُريدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا وَمَالَهُ فِي الأَخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ﴾(17).


وإذا دققنا النظر في مصدر تلك الشوائب التي تسبب للإنسان الفشل والخسران في كلتا الدارين أو في الآخرة فقط ـ ندرك أنه الشيطان الرجيم والنفس الأمارة بالسوء نتيجة تأثرها بوسوسته.


ولذلك حذر الله من الأول ـ أي الشيطان ـ في العديد من الآيات منها قوله تعالى: ﴿إنَّ الشَّيطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصحَابِ السَّعِيرِ﴾(18).


وقوله تعالى: ﴿* أَلَمْ أَعْهَدْ إلَيْكُمْ يَابَني ءادَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُوا الشَّيطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ * وَأَنِ أعْبُدُونِي هَذَا صِراطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾(19).


كما نبهنا الله تعالى لخطورة النفس الأمارة بالسوء المنطلقة في ركان العدو الأول أي الشيطان والمتعاونة معه على تحقيق هدفه الجهنمي وهو إغواء وإغراء الإنسان ليوقعه في الشقاوة الدائمة ويحرمه من السعادة الخالدة.


ويبرز التنبيه الإلهي والتحذير من التأثر بإغواء النفس ـ جلياً بقوله تعالى: (إِنَّ النَّفْسَ لأمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ ما رَحِمَ رَبّي)(20).


ومن أجل بيان الأساليب الخادعة التي ينفذ الشيطان من خلالها إلى داخل كيان الإنسان ليزهده فيما ينفعه ويرفعه ويرغبه فيما يضره ويحطمه أذكر طرفاً منها لنكون دائماً وابداً على حالة حذر وتنبه لهذه الأساليب اللئيمة فلا نقع في شباكها ونسلم من أخطارها فأقول: إن المكائد التي يعتمد عليها هذا العدو اللئيم كثيرة أبرزها النفوذ إلى الركائز الأساسية التي يقوم عليها الإيمان الصحيح الكامل من أجل أن يزيله أو يحوله إلى الشك والتردد وكلا الأمرين يؤثران على نفسية الإنسان ويمنعانه من العمل لله تعالى وعبادته وحده لا شريك له كما أمره سبحانه ـ فهو يشككه في أصل وجود الخالق كما صنع مع المشككين أو يدفعه لأن ينكر أصل وجوده وأنَّ الكونَ وجد وحده صدفةً واتفاقاً أو أوجدته المادة والطبيعة كما صنع مع الملحدين أو يشككه في توحيد الخالق ذاتاً أو في توحيده عبادة كما يشككه في عدالته سبحانه بإثارة بعض الشبهات أو يشككه في النبوة العامة أو الخاصة كما صنع مع البراهمة الذين ادعوا إمكانية اكتفاء الله سبحانه بالعقل ليرشد الإنسان إلى ما يريده منه بدون حاجة إلى الرسول الظاهري الخارجي أو يشككه في الإمامة وكونها منصباً إلهياً يختاره الله لمن يشاء من عباده المتقين الذين تتوفر فيها مؤهلات حمل أمانة الرسالة وقيادة الأمة على النهج القويم والصراط المستقيم كما كان تعيين النبي راجعاً إليه ومقصوراً عليه تعالى لأنه أعلم حيث يجعل رسالته.


وقد يشككه في المعاد ليقع في حيرة وشك فيه كما صنع مع أولئك الذين ترددوا في ذلك وأخبر عنهم القرآن الكريم بقوله تعالى: ﴿وَكَانُواْ يَقُولُونَ أَئذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وعِظَاماً أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾(21).


وقد يقوى تأثيره السلبي على فكر هذا الإنسان الضعيف فينتهي به إلى إنكار المعاد بصراحة وقد حكى الله سبحانه ذلك عن لسان جماعة من هذه الفئة الضالة المضلة بقوله تعالى: ﴿إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾(22).


وإذا فشلت محاولة هذا العدو الخادع ولم ينجح في إزالة العقيدة أو إضعافها فهو يلجأ إلى التشكيك في قيمة التشريع الإسلامي وخصوصاً في هذه الأيام التي أثيرت فيها الشبهات الكثيرة والخطيرة حول الإسلام وأنه أفيون الشعوب لأنه يخدرها بما يعدها من نيل الثواب الجزيل والأجر العظيم غداً يوم القيامة إذا رضيت بالأمر الواقع وصبرت على ظلم الظالمين وتحكم الحاكمين ولم تثر ضدهم لتنال حقوقها منهم.


وكذلك أثيرت شبهة أخرى حول الرسالة الإسلامية الخالدة وهي أنها غير قادرة على تلبية حاجات العصر ولا مستعدة لمواكبة التطور نظراً لانتهاء دورها وانحصاره بالجيل السابق وعصره المنصرم.


لذلك يكون الأخذ بتعاليمها ومحاولة تطبيق قوانينها على الجيل الجديد وفي عصره الراهن رجوعاً إلى الوراء يمثل الرجعية والتخلف وهكذا أثيرت شُبهاتٌ أخرى عديدة حول بعض التشريعات الإسلامية المجيدة ـ ولكنها كلها أوهام عابرة وشبهات واهية لا تقوم على أساس وطيد من المنطق والموضوعية ولذلك تبخرت ولم يبق لها وجود في أذهان الكثيرين من أبناء جيلنا المعاصر ببركة الصحوة الإسلامية التي فتحت العيون وأنارت القلوب بأضواء الحقيقة والعقيدة الراسخة التي توحي لصاحبها أن رسالة السماء التي أنزلها الله سبحانه على خير الأنبياء محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وسلم هي المنطلق الوحيد لسعادة الإنسانية عبر التاريخ لأنها مشرعة من قبل خالق الإنسان العالم بطبيعته وبما يُصلحه ويصلح له من القوانين المنسجمة مع فطرته والقادرة على تحقيق أهدافه الحياتية وتطلعاته البشرية من جميع الجهات وفي مختلف المجالات في الحاضر والمستقبل إلى أن يرث الله الأرض ومن ما عليها لأنها الرسالة الخاتمة الكاملة الصادرة من قبل المشرع الكامل بالكمال المطلق وهو الله سبحانه وهذا هو السر في اقتناع المجتمع العربي ودخوله فيها أفواجاً بمجرد وضوح الحقيقة له وإدراكه أن هذه الشريعة السمحاء المباركة هي الوسيلة الوحيدة لإنقاذه مما كان فيه وعليه من ألوان البؤس والشقاء والتعب والعناء.


وهذا هو السبب في انتماء سائر الشعوب إليها والتزامهم بتعاليمها واتساع دائرة هذا الانتماء خلال فترة قصيرة ـ وبذلك تندفع شبهة الرجعية بعد ظهور أن الشريعة الإسلامية المباركة جاءت لجميع العصور ولكل الاجيال ولذلك كانت رحمة للعالمين حيث قال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلعَالَمِينَ﴾(23).


وكذلك تندفع الشبهة الثانية وهي كون الدين أَفيون الشعوب ـ بعد الاطلاع التفصيلي على جوهر الدين وحقيقته بصورة عامة والدين الإسلامي الخاتم العادل الكامل بصورة خاصة لأنه جاء ليخرج الناس من ظلمات الشرك والجهالة والتخلف إلى نور التوحيد عقيدةً وعبادة وضوء العلم والهدى والتقدم في مختلف المجالات وشتى الميادين وقد تحقق ذلك كله خلال فترة قصيرة كما يشهد الواقع التاريخي حيث أصبحت الأمة العربية ببركة هذا الدين العظيم ـ خير أمة أخرجت للناس تأمر بالمعروف بعد فعله وتنهى عن المنكر بعد تركه.


ومن أراد الاطلاع التفصيلي على هذا الموضوع لمعرفة دور الدين الإيجابي في تقدم الأمة وسعادتها فليطلع على الجزء الأول من وحي الإسلام لأني بحثت فيه هذه النقطة الجوهرية في عدة أبحاث دينية تربوية وخصوصاً البحث الأول الذي تحدثت فيه حول موقف الإسلام من أعداء الإنسانية الثلاثة (الجهل والفقر والمرض).


وختمت الحديث حول هذا الموضوع بالمقطوعة الشعرية التالية:
الدينُ أفضل ما يرقى به البشرُ *** إلى الكمال وما يُجنى به الوطرُ
أوحى به اللهُ منهــاجاً تشع به *** مقاصدُ الخــير والآمال تزدهر
تزهو الحقيقة في ميزان شرعته *** ويخلد الجوهر الوضاء لا الصور
فالمــنهج الحقُّ لا أهواءُ مبتدعٍ *** والــحاكمُ اللهُ لا زيدٌ ولا عمـرُ
والمقصد الخيرُ خيرُ الناس كلهـم *** لا نفعُ بعض وإن أودى بنا الضرر
نالت بـه الفتح أقوامٌ به اعتصمت *** وسار في ركبها التأييدُ والظفــر
واليوم ضـل بها الحادي فأوردها*** مناهلَ الغي حيثُ الجبــنُ والخَوَرُ
فعاد عاراً لها نصرُ الـجدود وما *** كانت تتــيهُ به عزاً وتفتخــر
وتلك حــكمةً وحـي الله ناطقةٌ *** عبر القرون لمن يُصــغي ويعتبر
من ينصُر الله فـي مـــواقفه *** ومن يُخالفُ مخذولٌ ومـــنكسرُ


وإذا فرض عدم نجاح الشيطان في تشكيكه الإنسان في أصول دينه وما يقوم عليها من نظم وقوانين بسبب قوة إيمانه واعتقاده بعظمة شريعته الإسلامية وقدرتها على تحقيق جميع أهدافه الحياتية وتطلعاته البشرية فهو يلتف عليه من جهة أخرى ليُحرق حسناته التي حصلها بالإيمان الصادق والعمل الصالح وذلك بدفعه للقيام ببعض المحرمات التي يُسجل عليه بها الكثير من الذنوب والسيئات مع تأثيرها سلباً على ما كسبه من الحسنات ليقع بهذا وذاك في العناه والشقاء نفسياً ومادياً فردياً واجتماعياً في حاضر هذه الدنيا مضافاً إلى خسارته السعادة والاستقرار في كلتا الدارين وذلك هو الخسران المبين الذي أوقعه فيه عدوه اللئيم وشيطانه الرجيم.


وإن من أكبر المحرمات وأخطر المنكرات التي انتشرت واشتهرت بين أفراد المجتمع حتى أصبحت معروفاً لا يستنكره الكثيرون.


الغيبةُ والنميمةُ ونحوهما من المنكرات الكبيرة والخطيرة التي تُحرق الحسناتِ كما تُحرق النارُ الحطب.


وبذلك كله يُعرف السر في إيجاب الله سبحانه تحصيلَ الإيمان الجازم بالعقائد الحقة عن طريق الأدلة القاطعة والبراهين الساطعة التي لا يبقى معها مجال لتشكيك الشيطان بكلا نوعيه من الجنة والناس.


كما أوجب سبحانه التفقه في الدين وجعل طلب العلم فريضةً على كل مسلم ومسلمة بالنسبة إلى الأحكام الشرعية الواقعة محل ابتلاء المكلف في عباداته ومعاملاته ـ كل ذلك من أجل أن يكون الإنسان المسلم ثابت الموقف على نهج رسالته بالإيمان الراسخ الذي يثمر التقوى والعمل الصالح، والسلوك المستقيم في نهج الدين القويم بحيث لا ينحرف عنه عقيدةً وسلوكاً مهما كانت الإغراءات المغرية بالانحراف أو الضغوطات المقتضية له ـ كما لا يتسرب الشك إلى قلبه ولا تؤثر الشبهات المثارة من هنا وهناك على صلابة إيمانه وقوة يقينه ـ ولذلك لا تزيده الإغراءاتُ ولا الضغوطاتُ إلا ثباتاً على المبدأ الحق كما لا تزيده إثارة الشبهات إلا إيماناً برسالته وتمسكاً بنهجها العادل ودفاعاً عن مبدئها الأصيل الخالد.


وانطلاقاً من شعوري بالمسؤولية نحو إنساننا المعاصر وجيلنا الصاعد عقدت العزم على بذل أقصى الجهد المستطاع في سبيل ترسيخ العقيدة الصحيحة وتقوية الثقة بقيمة الشريعة الإسلامية المجيدة وقدرتها على مواكبة التطور والانطلاق بالجيل الجديد نحو الأهداف السامية والغايات الرفيعة المستهدفة لله سبحانه من وراء إنزاله الشرائع وإرساله الأنبياء مبشرين ومنذرين عبر التاريخ.


وكان إصدار الجزء الأول من وحي الإسلام وبعده الجزء الثاني منه حول فلسفة الصيام في الإسلام ـ خطوتين عمليتين في طريق الهدف المذكور ويأتي هذا الكتاب (فلسفة الحج في الإسلام) ليكون الخطوة الثالثة في هذا الطريق على أمل التوفيق لمتابعة السير في هذا السبيل القويم المؤدي إلى خدمة الإسلام والمسلمين ونيل رضا الرحمن الرحيم وبعد الفراغ من هذا الحديث الذي ركزتُ فيه على الإخلاص لله في نية العمل وبيان دوره الفعال في صحة العبادة بمعناها الخاص وفي ترتب الأجر والثواب على غيرها من الأعمال الصالحة القابلة لأن يقصد بها التقربُ لله تعالى:


أجل: بعد الفراغ من الحديث المذكور يترجح ذكر بعض القصص المؤكدة لدور النية والإخلاص فيها ـ في ترتب الآثار الإيجابية الراجعة إلى العامل المخلص لله في نيته ـ بالنفع العظيم في كلتا الدارين.


مع ذكر بعض القصص المتضمنة لبيان دور النية السيئة وتأثيرها السلبي على وضع صاحبها في كلتا الدارين.


وحيث أن قصة أصحاب الجنة مقطوعة التحقق لورودها في القرآن الكريم يترجح تقديم ذكرها على غيرها من القصص التي تُلقي الضوء على دور النية وتأثيرها الإيجابي أو السلبي ـ على وضع صاحبها في حاضر الدنيا ومستقبل الآخرة.


والقصة المذكورة ورد الحديث عنها في أكثر التفاسير ومنها مجمع البيان في تفسير سورة القلم حيث ورد فيه ما يلي: وهذه الجنة حديقة كانت في اليمن في قرية يقال لها صروان بينها وبين صنعاء اثنا عشر ميلاً كانت لشيخ وكان يمسك منها قدر كفايته وكفاية أهله ويتصدق بالباقي فلما مات قال بنوه نحن أحق بها لكثرة عيالنا ولا يسعنا أن نفعل ما فعل أبونا وعزموا على حرمان المساكين فصارت عاقبتهم إلى ما قص الله في كتابه وهو قوله تعالى: ﴿إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ * وَلا يَسْتَثْنُونَ﴾(24).


وخلاصة هذه القصة أن أبناء هذا الشيخ المؤمن عقدوا العزم على مخالفة طريقة والدهم وذلك بأن يستأثروا بثمر هذه الجنة ولا يقدموا للفقراء ما كان والدهم يقدمه لهم من ثمرها ولذلك رجحوا الذهاب إليها مبكرين قبل وصول الفقراء حتى لا يحصل لهم حرج نفسي بسبب منعهم مما كانوا يأخذونه من والدهم باستمرار حتى أصبح بمنزلة الحصة المملوكة لهم.


وحيث أن هذه النية سيئة أراد الله سبحانه أن يعاقبهم على ما أرادوا تنفيذه بها تأديباً لهم وتحذيراً لكل من تسول له نفسه الأمارة بالبخل والحرص الدافع إلى حرمان الفقراء من حقوقهم الشرعية أو مساعدتهم الإنسانية وذلك بإشعال النار بها حتى احترقت ليلاً وهم غارقون في سبات الجسم والقلب معاً وعندما وصلوا مبكرين إلى مكان جنتهم هذه ولم يجدوها كما كانت من قبل توهموا أول الأمر أنهم تائهون ضالون عنها ومنتهون إلى غيرها وبعد التأمل عرفوا أن هذا المكان هو مكانها وأن الله عاقبهم بإحراقها وكان لهم أخ عاقل رشيد لم يوافقهم في البداية على تنفيذ ما أرادوا القيام به من مخالفة عادة والدهم بمنع الفقراء وحرمانهم مما كانوا يأخذونه من ثمرة جنته حال حياته لذلك نبههم على خطأهم وعدم عملهم بنصيحته فقال: ﴿أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ لَولاَ تُسَبِّحُونَ﴾(25).


أي هلا تذكرون نعمة الله وإحسانه إليكم فتؤدوا شكرها بإخراج حق الفقراء منها.


وبعد حصول العقوبة لهم وتنبههم لخطأهم وظلمهم أنفسهم: ﴿قَالُواْ سُبْحَانَ رَبِّنَآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلاومُونَ * قَالُوا ياوَيْلَنَا إنَّا كُنَّا طَاغِينَ * عَسَى رَبُّنَا أَن يُبْدِلَنَا خَيْراً مِّنْهَا إِنَّآ إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُون * كَذلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الأَخِرَةِ أكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾(26).


والقصة المذكورة حادثة واقعية ورد الحديث عنها في كتاب الله الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه لأنه تنزيل من حكيم حميد.


وقد ذكرها الله سبحانه لنستفيد منها درساً تربوياً يبين لنا دور النية السيئة وتأثيرها السلبي في خسارة الإنسان وتعرضه للنتيجة السيئة المنسجمة مع تلك النية وعلى العكس من ذلك النية الصالحة المنطلقة من الإيمان الصادق الواثق بأن الله سبحانه هو مصدر الخير والعطاء والتوفيق في جميع المجالات.


ولهذا وذاك نرى المؤمن الواعي لهذه الحقيقة يحرص كل الحرص على توفير مقدمات نجاحه في أي هدف في هذه الحياة فيختار الهدف المشروع المحبوب لله سبحانه ويسعى لتحصيله بالنية الحسنة والقصد السليم المقرب منه تعالى وبواسطة المقدمات العادية الطبيعية اللازمة لتحقق ذلك الهدف ويختار المشروع من هذه المقدمات ويتوكل على الله بعد توفير ذلك كله في حصول الهدف المنشود فإن تحقق له كما يحب حمد الله تعالى وشكره على توفيقه له قائلاً بلسان المقال أو الحال ما قاله النبي سليمان عليه السلام: ﴿­قَالَ هَذَا مِن فَضْلِ رَبّي لِيَبْلُوَنِي ءأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾(27).


وإذا لم يحصل له مطلوبه صبر ورضي بالقضاء والقدر مردداً بلسان المقال أو الحال قول الإمام عليه السلام: (ولعل الذي ابطأ عني هو خير لي لعلمك بعاقبة الأمور)(28).


هذا حاصل ما يستفاد من تلك القصة القرآنية المربية ـ وفيما يلي ثلاث قصص تلتقي معها بالمضمون والدلالة الواضحة على مدى تأثير النية في نوعية النتيجة المترتبة عليها والمصبوغة بلونها فإذا كانت نية صالحة حسنةَ كانت النتيجة المترتبة عليها كذلك وإذا كانت على العكس كانت النتيجة مثلها.


الأولى من هذه القصص هي قصة ذلك العابد الذي سمع بوجود شجرة تعبد من دون الله سبحانه فأخذه الحماس الديني وانطلق ليقطعها فاعترض إبليس طريقه وقال له: إن قطعتها عبدوا غيرها فارجع إلى عبادتك فقال له العابد: لابد من قطعها وحصلت بينهما مصارعة فصرعه العابد فقال له إبليس: أنت رجل فقير فارجع إلى عبادتك واجعل لك دينارين تحت رأسك كل ليلة ولو شاء الله لأرسل رسولاً يقطعها وماذا عليك إذ لم تعبدها أنت قال نعم فلما أصبح وجد دينارين كما وعده إبليس وفي اليوم الثاني لم يجد شيئاً فخرج لقطعها وحصلت بينهما مصارعة فصرعه إبليس فقال له العابد: كيف غلبتك أولاً ثم غلبتني ثانياً فقال له: لأن غضبك.


أولاً: كان لله.
وثانياً: كان للدينارين.


ودلالة هذه القصة على مدى تأثير الإخلاص في النية في حصول النصر والتغلب على العدو - واضحة لا تحتاج إلى مزيد بيان.


الثانية: قصة الأمير شروان وحاصلها أنه خرج ذات يوم للصيد فأدركه العطش فراى في البرية بستاناً وعنده صبي فطلب منه ماءً فقال له: ليس عندنا ماء قال: إدفع لي رمانة فدفعها له فاستحسنها فنوى أخذ البستان ثم قال له: أدفع لي رمانة أخرى فدفعها له فوجدها حامضة فقال له: أليست هذه الرمانة من نفس الشجرة التي قدمت لي الرمانة الأولى منها ؟ قال: نعم قال له: كيف تغير طعمها ؟ فقال له: لعل نية الأمير تغيرت فرجع عن ذلك في نفسه ثم قال له: ادفع لي رمانة أخرى فدفع له ما طلب منه فوجد الرمانة الأخيرة أحسن وأطيب من الأولى فقال الأمير له: كيف صلحت ؟ قال له الصبي: إنما صلحت بصلاح نية الأمير.


القصة الثالثة: قريبة من الثانية ـ وحاصلها أنه خرج بعض الملوك بنزهة في مملكته فوجد رجلاً ومعه بقرة فحلب له مقداراً كثيراً من الحليب فتعجب الملك ثم نوى أخذها فلما كان الغد حلب منها نصف ما حلبه في اليوم الأول فقال الملك: كيف نقص حليبها ألم ترع في مكانها بالأمس ؟ قال: بلى ولكن لعل الملك نوى الظلم فرجع عن نيته فرجع حليبها الأول.


وهكذا شاءت الإرادة الإلهية والحكمة السماوية أن تترتب على النية ـ وهي حالة نفسية داخلية الآثار المناسبة لها سلباً أو إيجاباً نفعاً أو ضرراً كما تترتب على الأفعال الخارجية التي يمارسها الإنسان بإرادته وذلك من أجل أن يستفيد منها درساً تربوياً يدعوه لأن يصفي نيته ويحسن سريرته تمهيداً لأن يحسن سيرته ويعدل مسيرته كما أراد الله له أن يكون صافي النية سليم القلب يحب لغيره ما يحبه لنفسه من الخير ويسعى في سبيل حصوله له ويكره له ما يكره لنفسه من الشر ويمنعها من تسبيبها له.


وقصة أصحاب الجنة التي مر ذكرها تبين بوضوح مدى ارتباط وتأثر النتائج الخارجية بالعامل النفسي والنية الداخلية ويأتي قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾.


مؤكداً لهذه الحقيقة الإيمانية حيث ربط الله سبحانه تغييره أوضاع الإنسان فرداً ومجتمعاً وتبديلها من حال إلى أخرى مقابلة لها ـ بتغيير الحالة النفسية التي يعيشها حالاً وما ورد في القصص الثلاث التي مر ذكرها.


يؤكد ذلك ويقتضي أن نستفيد منها عظة وعبرة ونكون دائماً وأبداً على حالة نفسية نبيلة وحسنة لتثمر لنا ما ينفعنا ويرفعنا في دنيانا وآخرتنا من جميع الجهات وفي مختلف المجالات.


ويسرني أن أختم الحديث حول موضوع الإخلاص بالأبيات التالية التي نظمتها مؤخراً من وحي هذا الموضوع الحيوي وهي كما يلي:


إن رمتَ أن ترقى لأفق علاء * وتنال يوم الحشر خير جزاء
فاسلك سبيل الصالـحات بنيةٍ * فضـلى مجردةٍ عن الأهواء
فالله أوجدنا لنعــــبده بلا * شرك خفي مـاحــق ورياء
فإذا تحـقق ما يريد ننال ما * نبغيه من فضل وَمِنْ نعمـاء
وإذا انحرفنا عن هُدَاه تحطمت * آمالنا بضلالة الجـــهـــلاء


سماحة الشيخ حسن طراد


---------------------------------------
1- سورة البينة، الآية: 5.
2- سورة النساء، الآية: 146.
3- الحقائق للفيض الكاشاني (قده)، ص: 202.
4- عن نزهة الأفكار، ص: 556.
5- نفس المصدر السابق والصفحة.
6- سورة الكهف، الآية: 105.
7- الحقائق للكاشاني (قده) صفحة 202، طبعة طهران.
8- نفس المصدر السابق، صفحة 204.
9- سورة الماعون، الآيات: 4 و5 و6 و7.
10- سورة النساء، الآية: 142.
11- الحديقة الناشرية، ص: 125.
12- نفس المصدر والصفحة.
13- سورة هود، الآية: 88.
14- سورة الزلزلة، الآية: 7.
15- سورة الأعلى، الآية: 17.
16- سورة الضحى، الآية: 4.
17- سورة الشورى، الآية: 20.
18- سورة فاطر، الآية: 6.
19- سورة ياسين، الآيتان: 60 و61.
20- سورة يوسف، الآية: 53.
21- سورة الواقعة، الآية: 47.
22- سورة المؤمنون، الآية: 37.
23- سورة الأنبياء، الآية: 107.
24- سورة القلم، الآيتان 17 و18، قد ورد ذكر هذه القصة مفصلاً في وسط سورة القلم ابتداء من آية 17 وانتهاء بآية 33 ونقلت تفسير هذه الآيات وتفصيل قصتها عن شرح مجمع البيان ج10 صفحة 505 و506 طبعة طهران.
25- سورة القلم، الآية: 28.
26- سورة القلم، الآيات: 29 و30 و31 و32 و33.
27- سورة النمل، الآية: 40.
28- من دعاء الافتتاح المنسوب إلى الإمام المهدي (عج). -سورة الرعد، الآية: 11.

التعليقات (0)

شارك بتعليقك حول هذا الموضوع

شارك هذا الموضوع