شارك هذا الموضوع

أخلاق الجبهتين في عاشوراء

  الحياة البشرية قائمة على أسس ونواميس وسنن ثابتة لا تتغير ولا تتبدل منذ أن خلق الله تعالى الإنسان الأول ومنذ أن كان المجتمع الإنساني أسرة واحدة، ومن هذه السنن استمرار الصراع بكل مقوماته بين الإيمان وأتباعه والكفر وأتباعه، وكذا الحال في استمرار الصراع داخل مجتمع الإيمان بين الحق والباطل وبين الاستقامة والانحراف وبين الوضوح والزيغ، ولكل منهما منهجه وتصوره ومواقفه والصراع بجميع أبعاده مستمر مادام هنالك منهجان وتصوران في الكون والحياة، ولا ينتهي الصراع إلا بزوال أحد المنهجين، بحيث لا يبقى له وجود أو أتباع وأنصار، والحركة التاريخية تتجه نحو بقاء الإيمان والحق والفضيلة وانتصارها في نهاية الصراع، وانكماش وزوال الكفر والباطل والرذيلة، والتضاد في سلوك وأخلاق أتباع المتبنى في الحياة.


 وفي حركة المسلمين التاريخية ظهر هنالك منهجان متنافيان وخصوصاً بعد مقتل الخليفة الثالث عثمان بن عفان حيث برز للوجود هذا التنافي بأبعاده الواسعة وبأساليبه المتنوعة، منهج الاستقامة الذي يمثله أمير المؤمنين علي (عليه السلام) وأتباعه منج الاعوجاج والالتواء الذي يمثله البغاة عليه وخصوصا في معركة صفين ومنهم معاوية وعمر بن العاص، وبرز هذا التنافي واضحاً في أخلاق المنهجين ومواقفهم العملية في كل مجالات الحياة، بين من اتبع المنهج الرباني الإسلامي الأصيل ومن أتبع الشيطاني الجاهلي كان السبب الأساسي يمكن في الابتعاد عن تعاليم الرسول الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله) الذي حدد الموقف العملي في حالة الاختلاف واللبس والخلط، واستمر الصراع بعد استشهاد أمير المؤمنين علي (عليه السلام) وبعد وفاة معاوية الذي عين ابنه يزيد خليفة المسلمين من بعده دون سابق أو فضل ودون استشارة الصحابة من المهاجرين والأنصار، وتجلى ذلك الصراع بكل أبعاده في معركة كربلاء وبرز في الساحة الإسلامية منهاجان متنافيان تمام التنافي في كل مجالات الحياة الفكرية والعاطفية والأخلاقية، وأفصح منهج الانحراف عن حقيقة بإقدامه على قتل ابن بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) الحسين بن علي (عليه السلام) وأهل بيته وأصحابه وذلك بسبب رفض الحسين (عليه السلام) البيعة للحاكم الظالم الفاسق يزيد بن معاوية، وكان قتل الإمام تلك القتلة المأساوية مصداقاً من مصاديق الأخلاق الجاهلية التي عادت من جديد بلباس إسلامي.


والذين قاتلوا الحسين (عليه السلام) وقتلوه لم يكونوا من الذين اشتبهت عليهم الأمور أو اختلطت عليهم المفاهيم لأنهم يعلمون أنه على الحق وغيره على الباطل، لأن الرسول قد ألقى الحجة على المسلمين حينما أوضح حقيقة المعارك القادمة وشخص قادتها.



إلقاء الحجة في تعاليم الرسول (صلى الله عليه وآله)
من أجل أن لا تشتبه الأمور على المسلمين، ومن أجل أن لا تختلط المفاهيم عليهم، ومن أجل إبعادهم عن الغموض واللبس والافتتان وضح الرسول (صلى الله عليه وآله) حقيقة الصراع القادم وخصوصا في المعارك المصيرية التي تغير مجرى التاريخ الإسلامي، لكي تكون حجة لمن يبحث عن الإمام الحق والموقف الحق، فيتخذ المسلم موقفاً فيه صلاحه وصلاح المجتمع الإسلامي، وقد تجلت الحجة بأقوال الرسول (صلى الله عليه وآله)، وأفعاله اتجاه الحسين (عليه السلام)، ومن ذلك ما روي عن أم المؤمنين عائشة أنها قالت:


خرج النبي غذاة وعليه مرط مرحل، من شعر أسود، فجاء الحسن بن علي فأدخله، ثم جاء الحسين فدخل معه، ثم جاءت فاطمة فأدخلها،ثم جاء علي فأدخله، ثم قال: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) وقوله (صلى الله عليه وآله) بحق الحسين (عليه السلام): حسين مني وأنا من حسين، أحب الله من أحب حسيناً، حسين سبط من الأسباط وقوله بحق الحسن والحسين (هما ريحانتاي من الدنيا)


(الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، من أحبهما فقد أحبني، ومن أبغضهما فقد أبغضني).


وحول قتل الحسين (عليه السلام) قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (أخبرني جبريل أن ابني الحسين يقتل بعدي بأرض الطف وجاءني بهذه التربة وأخبرني أن فيها مضجعه)..


وحول السنة التي قتل فيها الحسين قال الرسول (صلى الله عليه وآله): (تعوذوا بالله من رأس الستين ومن إمارة الصبيان).


وحول قاتل الحسين وأهل بيته قال (صلى الله عليه وآله): (ويح الفراخ فراخ آل محمد من خليفة مُستخلف مُترف وقوله (صلى الله عليه وآله): (يزيد لا بارك الله في يزيد الطعّان اللعان.


وهذه الأحاديث الشريفة وصلت إلى أسماع المسلمين وخصوصاً أهل الكوفة عن طريق ولاتهم كعمار بن ياسر وعبد الله بن مسعود، في خلافة عمر بن الخطاب، وقد كررها الإمام علي في خلافته، ففي سفره إلى صفين مر بكربلاء فأخذ من تربتها قليلاً وقال: (واهاً يا تربة ليحشرن منك قوم يدخلون الجنة بغير حساب).


ووصلت الأخبار حد التواتر حتى أن المسلمين كانوا يشيرون إلى عمر بن سعد بأنه قاتل الحسين.


ومن خلال هذه الأحاديث الشريفة نقطع بإلقاء الحجة على قتلة الحسين ولم تنفعهم التبريرات التي وضعوها بأن الحسين قد خرج على إمام زمانه وشق عصا المسلمين وجماعتهم، لأن أغلب قادة الجيش الأموي في كربلاء هم الذين راسلوا الحسين وواعدوه في البيعة وكانوا قاطعين بعدم صلاحية يزيد للخلافة، ولكن الخوف والطمع دفعهم للانقلاب باتجاه الولاء ليزيد واتباع أوامره، وقد ألقى الحسين (عليه السلام) الحجة عليهم ثانية ولكنهم أصروا على قتله، فقتلوه قتلة لم يقتل بمثله أحد في الإسلام، وهي مصداق للأخلاق الرذيلة التي تخلق بها الجيش الذي قتل الحسين (عليه السلام) بعد أن صدرت إليهم الأوامر المعبرة عن أخلاق مصدريها الذين أعادوا للجاهلية من جديد.



تأثير الإيمان في أخلاقية الجبهتين


الإيمان بالله والاستسلام لربوبيته وأداء حق الطاعة له وترويض النفس بالعبادات والأدعية تهدي الإنسان إلى اليقين فينعكس في سلوكه وأخلاقه لتكون منسجمة مع المنهاج الرباني في الحياة، والإسلام جاء لإتمام مكارم الأخلاق ولذا فأخلاق الإنسان تتناسب تناسباً طردياً مع الإيمان بالله وتوحيده، وبحسب درجات الإيمان تتفاوت الأخلاق، إلى أن تصل إلى مهاوي الرذيلة في حالة الشك والإلحاد حيث لا رقيب ولا عاصم من الانحراف والرذيلة، وهذا ما حصل في أخلاق الجبهتين في عاشوراء. فجبهة الحسين باستسلامها لله ولمناهجه في الحياة سطرت لنا أروع درجات التكامل الأخلاقي والسمو الروحي، وجبهة يزيد حيث أبرزت ما كان كامنا في أعماقها من بعد من الله تعالى وتعاليمه انعكس على الواقع من قتل ونهب واعتداء وغدر وخيانة.


فقائد الجبهة وهو يزيد بن معاوية نشأ منشأة نصرانية عند أخواله وقد أفصح عن انعدام إيمانه وتمسكه بالجاهلية حينما تمثل ببعض الأبيات لشاعر جاهلي أنشدها في أحد معارك المشركين نختار منها:


ليت أشيخاخي ببدر شهـدوا*** جزع الخزرج من وقع الأسل


لعبـت هاشــــم بالملك فــــلا*** خبـــر جــاء ولا وحـي نــــزل.


أما القائد الميداني للجبهة العسكرية عمر بن سعد فإنه يشكك بوجود يوم القيامة، حيث يقول:


يقولــون! إن الله خالــق جنـــــــــــة*** ونــار وتعذيــب وغــل يديـــن


فإن صدقــــــوا فيما يقولــــون إنني*** أتوب إلى الرحمن من سنتيــن


وإن كذبوا فزنا بدنيا عظيمــة.*** وملك عقيــــم دائم الحجليــــن.


أما قادة الألوية والجنود فكان جوابهم للحسين: (بل نقاتلك بغضاً منا لأبيك وما فعل بأشياخنا يوم بدر وحنين)


فأخلاقهم في عاشوراء لم تمت إلى الإسلام بصلة، وإن ما ارتكبوه من أعمال وأفعال يرفضها الإسلام في معركته مع المشركين والمرتدين والبغاة فكيف والمعركة كانت ضد أهل البيت (عليهم السلام). وبعد هذه المقدمة نتطرق إلى أخلاق الجبهتين وما تركته للأجيال من قيم وممارسات تعبر عن منهج الخطين في كل المجالات.



الموقف من الكعبة الشريفة


الكعبة رمز الإسلام وقبلة المسلمين وهي محل اعتزاز المسلمين وعزهم ولها حرمة عظيمة في قلوبهم وضمائرهم، وقد جسد الحسين (عليه السلام) حرمتها وكرامتها في مواقفه الشريفة التي عبر عنها في مواضع عديدة حيث يقول لمن طلب منه الالتجاء إليها والمكوث بالقرب منها قال لأخيه محمد بن الحنفية: (يا أخي خفت أن يغتالني يزيد بن معاوية بالحرم فأكون الذي يستباح به حرمة هذا البيت).


وقال (عليه السلام): (يا ابن الزبير لأن ادفن بشاطئ الفرات أحب إليّ من أن أدفن بفناء الكعبة) وقال (عليه السلام): (إن أبي حدثني أن لها كبشاً به تستحل حرمتها فما أحب أن أكون أنا ذلك الكبش، والله لئن أقتل خارجاً منها بشبر أحب إليّ من أن أقتل فيها ولئن أُقتل خارجاً منها بشبرين أحب ألي من أن أقتل خارجاً منها بشبر).


وفي مقابل هذا الموقف الأخلاقي السامي كان موقف الجبهة المقابلة، فإن يزيد (دس مع الحاج في تلك السنة ثلاثين رجلاً من شياطين بني أمية وأمرهم بقتل الحسين على أي حال اتفق). وبعد استشهاد الإمام الحسين (عليه السلام) استحلت حرمة الكعبة فنصب الجيش (المجانيق والعرادات على مكة والمسجد، وهدم البيت)


وقد (قذفوا البيت بالمجانيق وحرقوه بالنار وأخذوا يرتجزون ويقولون:


فطارة مثل الغنيق المزبد***نرمي بها أعواد هذا المسجد.



أخلاقية الإعلام والدعاية


امتاز أعلام جبهة الحسين بالصدق والصراحة والواقعية ولم يمارس الخداع والتضليل وإنما ركز على وقائع معلومة للجميع، ومن الشواهد على ذلك قول الحسين مخاطباً الجيش الأموي: (ألا وإن هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان وتركوا طاعة الرحمن وأظهروا الفساد وعطلوا الحدود واستأثروا بالفيء وأحلوا حرام الله وحرموا حلاله وأنا أحق من غيّر)


وقد جرت على نفس المنوال خطابات اتباعه في كل مواقع المعركة. وأما الجبهة المقابلة فإنها استخدمت أسلوب البهتان والخداع والتضليل، فعمرو بن الحجاج الذي بايع الإمام الحسين (عليه السلام) وانقلب عليه يخاطب أهل الكوفة قائلاً: (الزموا طاعتكم وجماعتكم لا ترتابوا في قتل من مرق من الدين وخالف الإمام) ونادى عمر بن سعد: (يا خيل الله اركبي وبالجنة أبشري).


وهو يعرف حقيقة القيادتين ولكنه قاتل الحسين رغبة في ذلك واعترف بالحقيقة قائلاً: (ما رجع أحد إلى أهله بشر مما رجعت به أطعت الفاجر الظالم ابن زياد وعصيت الحكم العدل، وقطعت القرابة الشريفة). واتهم عبيد الله بن زياد والي يزيد على العراق مسلم بن عقيل بشرب الخمر حيث يقول له: ( وما أنت وذاك يا فاسق لمَ لم تعمل فيهم بذاك إذ أنت بالمدينة تشرب الخمر) فقال له مسلم بن عقيل: (أنا أشرب الخمر أما والله إن الله يعلم أنك غير صادق وأنك قد قلت بغير علم وأني لست كما ذكرت وأنك أحق بشرب الخمر مني).


وتجسدت الأخلاق الكريمة والأخلاق الرذيلة في الحوار الذي دار بين السبايا من جهة وبينهم وبين ابن زياد من جهة أخرى، بين الصدق والبهتان وبين الصراحة والخداع والتضليل، وقد لعب الإعلام الصادق دوراً في إجبار يزيد على التنصل من قتل الحسين وإلقاء اللوم على ابن زياد.



العهود والمواثيق


من أخلاق الإسلام هي الوفاء بالعهود والمواثيق وهي من الأخلاق الفاضلة لدى كل المجتمعات وإن لم تكن تتخذ الإسلام منهاجاً إنها في الحياة، وقد وفى الحسين (عليه السلام) بكل عهد وميثاق قطعه مع الجبهة المقابلة.


فبعد اتفاق الحسين مع الحر على أن يسايره فلا يعود إلى المدينة ولا يدخل الكوفة طلب منه الطرماح بن عدي أن ينزل قبيلة طي ليلتحق به عشرون ألف طائي فقال له الحسين: (إنه قد كان بيننا وبين هؤلاء القوم قول لسنا نقدر معه على الانصراف).


أما قادة الجيش الأموي وهم شبث بن ربعي، وحجار بن أبجر، وقيس بن الأشعث، وزيد بن الحارث ومعهم آلاف الجنود فإنهم دعوا الحسين إلى الكوفة ومن ثم غدروا به وقاتلوه وهذا قمة الغدر وعدم الوفاء، أما قائد المعركة وهو عمر بن سعد فإنه لم يف بما اتفق معه مسلم بن عقيل قبل مقتله حيث قال له بصورة سرية: (... وابعث إلى الحسين من يردّه، فقال عمر لإبن زياد: أتدري أيها الأمير ما قال لي أنه ذكر كذا وكذا فقال له ابن زياد: إنه لا يخونك الأمين ولكن قد يؤتمن الخائن.


وحينما عجز مسلم بن عقيل عن القتال أعطاه الجيش الأمان ولكنهم غدروا به وقتلوه بعد تسليمه لابن زياد.



الذمام والاستجارة


اتصف العرب بحفظ الذمام وإجارة المستجير، وأنهم يضحون بأرواحهم من أجل الحفاظ على ذلك وبعد ظهور الإسلام تنامت هذه الصفة الأخلاقية لدى المسلمين، وقد التزم أتباع الجبهة الحسينية بذلك. قال بن زياد لهاني بن عروة حول مسلم بن عقيل وكان ضيفاً عنده: (ائتني به، قال: (والله لو كان تحت قدمي ما رفعتهما عنه). وفي رواية أخرى: (في ذلك الخزي أن أدفع جاري وضيفي وأنا حي صحيح). وقد أجار علي بن الحسين عائلة مروان بن الحكم حينما هجم الناس على الأمويين في المدينة بعد استشهاد الحسين (عليه السلام) كما جاء في رواية الدينوري: (فكلم مروان علي بن الحسين حول عائلته فقال نعم، فضمهم علي إليه، وبعث بهم مع عياله).


ورفض مسلم بن عقيل قتل ابن زياد في دار هاني لأنه حل ضيفاً عليه وإن كان قتله جائزاً.


وفي الجبهة المقابلة نرى العكس تماماً..، ورد في مقتل أبي مخنف، أن ابن طوعة أخبر ابن زياد بوجود مسلم في بيته بعد أن عاهد الله وأمه أن لا يبيح بالسر. والمنذر بن الجارود سلم رسول الحسين (عليه السلام) إلى ابن زياد، وكانت الرسل لا تقتل لا في الجاهلية ولا في الإسلام.


وقتل أحدهم طفلين من أطفال أهل البيت بعد أن استجاروا به بعد فرارهم من كربلاء حينما أحرق الجيش خيامهم.



العلاقة بين القيادة والاتباع


في كل جبهة هنالك قيادة وطليعة وقاعدة ترتبط بروابط مشتركة من أهداف وبرامج ومواقف، والقيادة دائماً هي القدوة التي تعكس أخلاقها على أتباعها وتتجسد وحدة الأخلاق في المعارك المصيرية كمعركة عاشوراء، ففي جبهة الحسين تجسدت الأخلاق الفاضلة في العلاقات والروابط حيث الإخاء والمحبة والتعاون والود والاحترام بين القائد وأتباعه وبين الأتباع أنفسهم فالأتباع ارتبطوا بالقيم والمثل ثم ارتبطوا بالقائد الذي جسدها في فكره وعاطفته وسلوكه، فالاتباع يتلقون الأوامر بقبول ورضى وطمأنينة ويقين ويرون للطاعة ذوقاً وطعماً جميلاً.


فالحسين يخاطب حامل لوائه وهو أخاه العباس: (يا عباس اركب بنفسي أنت).


ويخاطب أتباعهم قائلاًُ: (قوموا يا كرام فهذه رسل القوم إليكم).
ويخاطبهم في وسط الحشود الكبيرة وهم قلة قليلة: (صبراً بني الكرام فما الموت إلا قنطرة تعبر بكم عن البؤس والضراء إلى الجنان الواسعة).


ونتيجة للترابط الروحي بين الحسين وأتباعه، رفضوا أن يتركوه بعد أن سمح لهم بالتفرق عنه، فهذا مسلم بن عوسجة يخاطب الحسين قائلاً: (أما والله لو علمت أني أقتل ثم أحيى ثم أحرق ثم أحيى ثم أذرى يفعل ذلك بي سبعين مرة ما فارقتك حتى ألقى حمامي دونك).


أما الجبهة المقابلة فإن العلاقة قائمة على أساس القهر، والتطميع، والإذلال والتهديد.


أرسل ابن الأشدق كتاباً لابن زياد: (أما بعد: فقد توجه إليك الحسين، وفي مثلها تعتق أو تكون عبداً تسترق كما تسترق العبيد.


وحينما وصل الخبر إلى ابن زياد من أن الحسين وعمر بن سعد يتحادثان عامة الليل بين العسكرين، أرسل الشمر إلى ابن سعد يأمره بقتل الحسين وأتباعه وقال له: (اضرب عنقه إن أبى).


وقد أصدر ابن زياد بياناً جاء فيه: (فلا يبقى رجل من العرفاء والمناكب والتجار والسكان إلا خرج فعسكر معي، وأيما رجل وجدناه بعد يومنا هذا متخلفاً عن المعسكر إلا برئت الذمة منه).


كما أن جنود وأمراء الجبهة المقابلة يقاتلون خوفاً وطمعاً خوفاً من سيف ابن زياد وجيش الشام الوهمي وطمعاً في المناصب والأموال، ولم يف عبيد الله بن زياد لهم بما أوعدهم، وتنصل يزيد عن قتل الحسين وألقى باللوم على ابن زياد.



حب الذات


أنكر اتباع حسين ذواتهم وذابوا في العقيدة التي جسدت المنهج الإلهي في واقعها المعاش فلم يبقوا لذواتهم أي شيء سوى الفوز بالسعادة الأبدية فكان الإيثار والتفاني أهم خصائصهم. فتنافسوا على التضحية: (فلما رؤوا أنهم لا يقدرون يمنعون الحسين ولا أنفسهم تنافسوا أن يُقتلوا بين يديه).


وفي شدة العطش رفضوا شرب الماء قبل الحسين وقد وصلوا إليه. يقول العباس بن علي:


(يا نفس من بعد الحسين هوني*** وبعده لا كنت أو تكوني


هذا حســــين وارد المنــــــــــون*** وتشربين بارد المعيـــن).


وقبل المعركة وصل بريد ومعه جماعة إلى النهر، فقال لهم حماة النهر بعد أن عجزوا عن قتالهم اشربوا هنيئاً بشرط أن لا يحمل أحد منكم قطرة من الماء للحسين لكان جوابهم: (ويلكم نشرب الماء هنيئاً والحسين وبنات رسول الله يموتون عطشاً لا كان ذلك أبداً.


وفي الجانب المقابل نجدهم يتنافسون على الدنيا طلب العافية والسلامة لكي يكونوا موضع تكريم من قبل ابن زياد.


فهذا القائد الميداني للمعركة عمر بن سعد يرمي أول سهم ويقول: (اشهدوا لي أني أول رام). وكان جوابه لبرير: (إني والله أعلم يا برير أن قاتلهم إلى النار، ولكن تشير عليّ أن أترك ولاية الري فتصير إلى غيري، وما أجد نفسي تجيبني إلى ذلك أبداً).


وتسابق الجيش بعد قتل الحسين على نهب خيام النساء والأطفال حتى جعلوا ينزعون ملحفة المرأة عن ظهرها، وعلى سبيل المثال، جاء رجل إلى فاطمة بنت الحسين فانتزع خلخالها وهو يبكي قالت له: مالك: (فقال: كيف لا أبكي وأنا أسلب ابنة رسول الله قالت له: دعني، قال: أخاف أن يأخذه غيري).


وحينما قتلوا العابس الشاكري جعلوا يتخاصمون فيما بينهم كل واحد منهم يدعي أنه قتله ليحظى بالجائزة.



الإنسانية والرحمة


اتباع الحق يقاتلون من أجل الحق ومن أجل هداية الأعداء إلى المنهج الرباني لتحكيمه في التصور وفي السلوك وفي واقع الحياة وهم لا يقاتلون لمجد شخصي أو حمية قبلية ولا انتقاماً لذواتهم، وإنما حباً للخير ونصراً للحق، ولذا نجدهم رحماء رؤفاء على أعدائهم لعلهم يعودون إلى رشدهم ويلتحقوا بركب الحق والخير، وقد جسد الحسين وأصحابه أروع ملاحم الإنسانية والرحمة والعطف، ففي طريقه إلى كربلاء التقى بأحد ألوية جيش ابن زياد وكانوا ألف مقاتل مع خيولهم وكانوا عطاشى، فأمر أتبعاه بسقي الجيش وقال لهم: (اسقوا القوم وارووهم من الماء ورشفوا الخيل ترشيفاً، والإمام سقى ابن الطعان المحاربي الماء بنفسه).


فالجبهة الحسينية تسقي الجبهة المعادية لها بالماء الذي حملوه معهم لوقت الحاجة وهذه المعركة وأثنائها. أما الجبهة المقابلة فكانت على النقيض من هذه المواقف النبيلة، وتجلت مواقفها بأوامر قيادتها وطاعة الجنود لها بمنع الماء عن الحسين ومن معه من أطفال ونساء، فأبن زياد يكتب كتاباً لطليعة جيشه قائلاً: (أما بعد فجعجع بالحسين حتى يبلغك كتابي ويقدم عليك رسولي ولا تنزله إلا بالعراء في غير خضر وعلى غير ماء).


وفي كربلاء حالوا بينه وبين الماء وحينما عرفهم الحسين بنفسه وبأهدافه أجابوه: (قد علمنا ذلك كله ونحن غير تاركيك حتى تذوق الموت عطشاً).


ومنعوه حتى من حفر الآبار بعد أن صدرت لهم الأوامر، وهذه رسالة ابن زياد لقائد جيشه تعبر عن هذه الطباع القاسية: (بلغني أن الحسين يحفر الآبار ويصيب الماء فيشرب هو وأصحابه فانظر إذا ورد عليك كتابي فامنعهم من حفر الآبار ما استطعت، وضيق عليهم غاية التضييق).


وهذا إفراز من إفرازات أخلاق الجبهة المقابلة لأنها لا تقاتل من أجل هدف مشروع أو قيم إنسانية، وإنما تقاتل لذاتها ومنافعها وحبها للسيطرة والتسلط فلا غرابة إن منعت الماء عن أطفال ونساء لا ذنب لهم وإن كانوا غير مسلمين فكيف وهم أحفاد صاحب الرسالة محمد (صلى الله عليه وآله).



الأخلاق في ميدان القتال


شرع الإسلام القتال من أجل أن تكون كلمة الله هي العليا، ومن أجل دفع العدوان، ويأتي كمرحلة نهائية بعد أن تعجز جميع الوسائل السليمة لصد العدوان والطغيان والانحراف، والقتال وسيلة لهدف سامي، فهو لله وفي سبيل الله، وهو مقيد بقيود شرعية مبدءاً ومنتهى، وهو قائم مادام العدوان قائماً فإن انتهى فالقتال ينتهي معه، والإسلام حريص على الدماء، لذا يحرم كل قتل وقتال إن لم يكن في سبيل الله، ويحرم استخدام أساليب القتال اللاأخلاقية لأنه دين الرحمة وطريق الهداية. والقتال في معركة الطف في عاشوراء استبان فيه منهجان وجبهتان متنافيان من حيث الأهداف والوسائل ومن حيث القيم والمثل ومن حيث التقيد بالقيود الإسلامية والأعراف الإنسانية.



أولاً: الهدف من القتال


لم يكن لجبهة الحسين هدف إلا إعلاء كلمة الله والدفاع عن الاستقامة ورفض الذل والدفاع عن النفس كما ورد في تصريحات قائد الجبهة الحسين (عليه السلام) في أكثر من موقع وموقف ومن هذه التصريحات قائد الجبهة الحسين (عليه السلام) في أكثر من موقع وموقف ومن هذه التصريحات قوله: وإني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر.


وقد عبرت زينب عن ذلك الهدف قائلة: (اللهم تقبل منا هذا القربان).


أما الجبهة المقابلة فإنها تقاتل إما خوفا من سيف ابن زياد وإما طمعاً في الأموال والمناصب، وهذا يظهر من جواب ابن سعد للحر حينما سأله عن قتال الحسين فقال: (لو كان الأمر لي لفعلت، ولكن أميرك قد أبى).


فأين سعد كان مكرهاً على قتال الحسين وكذا الحال مع الآخرين ولكنهم قاتلوه طمعاً وخوفاً وهم يعلمون أنه الحق، ولكن الطمع غلب عليهم فها هو سنان يطلب جائزته قائلاً:


(أملئ ركابي فضة وذهبا*** إني قتلت الملك المحجبــا


قتلت خير الناس إماً وأبـا***ً وخيرهم إذ ينسبون نسبا).


وكانت الازدواجية معبرة عن نفوسهم المريضة حيث أن قلوبهم مع الحسين وسيوفهم عليه، استجابة لأهداف قادتهم وعلى رأسهم ابن زياد ويزيد الذين أمروهم بالقتال.



ثانياً: البدء في القتال


القتال نهاية المطاف بعد أن تعجز الوسائل السلمية وبعد أن يصل المسلمون إلى طريق مسدود فإما الذل وإما العز بالدفاع عن القيم والمبادئ الإسلامية.


فالحسين (عليه السلام) رفض الابتداء بالقتال وحذر الجبهة المقابلة من أقدامهم على القتال وألقى تمام الحجة عليهم وعلى عدم شرعية قتالهم وحينما أغلقت منافذ السلام اضطر للدفاع عن نفسه وعن المبادئ التي أراد طمسها قادة الجبهة المقابلة.


فالحسين (عليه السلام) قابل أول طلائع الجيش قبل وصوله إلى كربلاء وكان الجيشان متكافئان من حيث العدة والعدد، قبل أن يأمرهم الحسين بالتفرق عنه، فلو دخل معركة مع طلائع الجيش لهزمهم ولكنه رفض البدء بالقتال وكان جوابه لزهير حينما طلب منه مقاتلة اللواء المتقدم قال الإمام: (ما كنت لأبدأهم بالقتال).


وقبل بدء القتال وقف شمر بن ذي الجوشن أمام معسكر الحسين وبدأ يكيل السباب والشتم للإمام رام مسلم بن عوسجة أن يرمي شمر بسهم فقال الحسين: (لا ترمه فإني أكره أن أبدأهم).


أما الجبهة المقابلة فكانت جميع الأوامر الصادرة إليها من قياداتها متركزة على القتل والقتال، وظهرت في رسائل يزيد لولاته في المدينة ومكة والكوفة، وزحف الجيش على معسكر الإمام الحسين (عليه السلام)، ولم يمهلوهم حتى بمقدار أداء صلاة الظهر حيث أمطروهم بوابل السهام.



ثالثاً: أساليب القتل


استخدمت جبهة الحسين أسلوبا واحداً للدفاع عن نفسها ينسجم مع روح الشريعة وروح المعركة الشريفة أما الجبهة المقابلة فإنها تجاوزت الحدود فلم يضرب أحد في الإسلام كما ضرب الحسين فقد وجد به مائة وعشرون جراحة ما بين ضربة سيف وطعنة رمح وعشرون سهم، وقد قطعوا علي الأكبر إرباً إربا حينما حملته فرسه إلى معسكرهم وهو فاقد الوعي، وبعد القتل داسوا بحوافر خيلهم صدر الحسين، وقطع أحدهم أصبعه من أجل أخذ خاتمه ومثلوا بجثة القتلى، وتركوهم بدون دفن في رمال كربلاء، والواجب هو دفنهم لأنهم مسلمون أولاً وأحفاد الرسول (صلى الله عليه وآله) ثانياً.



الأخلاق الخاصة للجبهة المقابلة


فيما تقدم كان مقارنة بين أخلاق الجبهتين وهنا نتطرق إلى ما انفردت به الجبهة المقابلة من أخلاق رفضها الإسلام، ولم يستخدمها حتى الجيش الإسلامي بقيادة الأمويين في حروبهم مع الكفار والمشركين، ولعل السبب في ذلك هو اختيار ابن زياد أسوء الناس لزجهم في المعركة، فأوامر يزيد كانت مخالفة لا بسط تعاليم الإسلام والأعراف الإنسانية، ومن أوامره إلى ابن زياد: (احبس على الظنة واقتل على التهمة).


وفرض ابن زياد الأحكام العرفية وبدأ أتباعه بقتل كل من وجدوه خارجاً من منزله. وقد ألقت الشرطة القبض على رجل من همدان قدم إلى الكوفة يطلب ميراثاً له، فأتي به إلى ابن زياد فأمر بقتله.


وأمر ابن زياد بالتمثيل بالقتلى ووطئ صدر الحسين بحوافر الخيل.


وقد خالفوا حتى الأعراف الجاهلية فقتلوا الأطفال والنساء ومنهم طفل رضيع الحسين، وأمر الشمر بقتل غلامه بقتل امرأة عبد الله الكلبي فضرب رأسها بعمود حتى شدخه فماتت مكانها. وقد سلبوا جثث القتلى ثم تمادوا في إجرامهم فهجموا على مخيم النساء وأحرقوه وسرقوا كل ما وجدوه من مال ومتاع، وكما يصفها الإمام علي بن الحسين: (والله ما نظرت إلى عماتي وأخواتي إلا وخنقتني العبرة وتذكرت فرارهن يوم الطف من خيمة إلى خيمة ومن خباء إلى خباء، ومنادي القوم ينادي أحرقوا بيوت الظالمين).


وحمل القوم بنات رسول الله (صلى الله عليه وآله) اسارى وجعلوا الناس ينظرون إليهن وهن في طريقهن إلى الكوفة وإلى الشام، وقد وقفت زينب في وجه يزيد وقفة الثورة والجهاد قائلة له: (أمن العدل يا ابن الطلقاء، تخديرك حرائرك وإماءك وسوقك بنات رسول الله سبايا، قد هتكت ستورهن وأبديت وجوههن تحدو بهن الأعداء من بلد إلى بلد).


ومن أخلاقهم شرب الخمر كما ذكر ذلك الشيخ القرشي في كتابه (حياة الحسين) ولا غرابة في ذلك وقدوتهم يزيد الفاجر الفاسق، وكما تحدث عنه الحسين (عليه السلام): (يزيد رجل فاسق شارب الخمور، قاتل النفس المحرمة معلن بالفسق).


وانحرافه قد كان معلوماً لبطانته ولولاته ولأتباعه ومن مصاديق انحرافه: (شربه المسكر جهاراً، ولعبه بالنرد، ونومه بين القيان المغنيات واصطحابه معهن ولعبه بالطنبور بينهن، وتطريقه بني أمية للوثوب على مقام رسول الله وخلافته).


وهذه السلوكية امتدت من القيادة إلى الأتباع، المتهيئة نفوسهم للتطبع بهذه الأخلاق وانتقالها إلى الفعل الذي أفصح عن سريرتهم في عاشوراء التي كانت فيصلاً لجبهتين متنافيتين تصوراً وسلوكاً وخلقاً، هذا الفيصل كشف عن استبانته وظهر في ارجوزات جبهة الحسين الذين عبروا عن أخلاقهم بهذه الإراجيز، على عكس الجبهة المقابلة الذين لم يرتجزوا أي أرجوزة تدل على خلقهم وسلوكهم إلا الافتخار بقتل الحسين والمطالبة بالمكافأة جراء ذلك.


هكذا أعاد الإمام الحسين (عليه السلام) الأمة إلى إرادتها وشخصيتها، فتعالت الصيحات لإصلاح الأوضاع ورفض الانحراف والانحدار، فانفجرت الثورات بعد أن شعر القائمون بها بالمسؤولية في النهوض، خاصة بعد أن بات واضحاً جلياً طريق الحق والصالحين، وكان الموقف العملي والأخلاق السائدة هي الفيصل في هذا الوضوح وهذه الاستبانة بين المنهجين منهج الحسين وأتباعه ويزيد وأتباعه، فكانت أخلاق الجبهتين تجسيداً للمثل والقيم المتبناة من قبل قادة وأتباع كلا الجبهتين، وانتصرت مكارم الأخلاق ومحاسن الأفعال وبقيت جبهة الحسين خالدة في سلوكها ومواقفها وأخلاقها الفاضلة.

التعليقات (0)

شارك بتعليقك حول هذا الموضوع

شارك هذا الموضوع