شارك هذا الموضوع

الصورة اللغز لأحمد بن خميس!

الصورة اللغز لأحمد بن خميس!


المحرق- محمد حميد السلمان


يبدو أن التجاوب مع القراء لهذه السلسلة بات أمراً محتماً مع نهاية كل أسبوع. فكيف إذا كان التجاوب والمشاركة المباشرة هذه المرة جاء من فؤادين عزيزين. ومنهما الأخ فؤاد عيسي الذي عثر على وثيقة نادرة ومهمة في موضوع مأتم بن خميس. وبقدر سعادتي بمن يبحثون معنا على طريق تجميع التراث أينما كان لإكمال حلقة بانوراما تاريخ البلاد وناسها الطيبين؛ إلا أن الوثيقة ذاتها ألقت بشيء من الحيرة على الموضوع، ولذا فهي تحتاج لكثير من المراجعة وإعادة القراءة - من داخل الوثيقة نفسها- كما حاول صاحبها وأُثني على محاولته. وأهمية العثور على أي وثيقة لا يكمن في وجودها بل في قراءتها بشكل صحيح ومفيد لأي بحث، ولذا فقد تعودت ألا أنشر أي وثيقة بين يدي - وما أكثرها في وضع بن خميس وغيره - إلا بعد أن أثمّن أهمية وجودها في عمق البحث وتوضيحها لبعض جوانبه حتى لا نترك القارئ في بلبلة وتشويش لأي حدث يقرأه. وهذا ما واجهني في بحث عبدالمحسن بن شهاب الذي وصلت وثائقه لما يربو على 120 وثيقة حتى الآن ولم أنشر منها سوي 5 في المئة فقط. وكذلك الشكر للأخ فؤاد الشكر الذي أرسل معلومة قيمة أخرى في موضوع بن خميس أرى لزاماً أن أنشرها في هذا الموضع بقلمه، حيث يقول بلسان القلم: «جدي الحاج أحمد محمد على الشكر هو عديل الحاج أحمد بن خميس، وقد ورد في أحد مقالاتكم في هذه السلسة أنه اختبأ في منزلنا بالمنامة بفريق الحطب في قضية الدانة التي سعي البعض للحصول عليها منه عنوة فاختفى عنهم عندنا بسببها. وقد جاء هذا النسب عندما تزوج الحاج أحمد بن خميس بامرأة من بيت آل حسين.


وجدي أحمد محمد على الشكر قد تزوج كذلك بامرأة من بيت آل حسين تسمى خديجة وولدت بنتاً واحدة، وعندما توفيت خديجة تزوج بامرأة أخرى من نفس العائلة هي (تاجه) ومن أولادها الحاج إبراهيم بن أحمد الشكر وهو والدي الذي تزوج هو الآخر من ابنة خاله جاسم آل حسين (شقيق تاجه) تسمى (رضية) وهي الوالدة. وبما أن أحمد بن خميس قد تزوج من آل حسين وأنجب حسين بن خميس الذي يكون ابن خالة الأب إبراهيم ووالدتي هي ابنة عمة حسين. إذاً نحن أبناء عمومة آل خميس من هذا الطريق وبيننا الكثير من الزيجات والمصاهرات. فمحمد تقي شقيق حسين تزوج عمتي نصرة بنت أحمد الشكر، كما أن مهدي بن أحمد بن خميس المدرس تزوج خالتي زهرة جاسم أخت والدتي رضية بنت جاسم آل حسين، وهناك مصاهرات عديدة لا يتسع المجال لذكرها كلها».





ذات ليلة عشرينية



من هو ذاك الطارق الذي أقض مضجع قرية السنابس ذات ليلة من ليالي مطلع عشرينيات القرن الماضي والقرية تنام مطمئنة ولكن بعيون ساهرة من حماتها الذين أعدهم بن خميس للذوذ عنها ضد النهابة ولصوص البر والبحر؟ وماذا حدث له؟


كان ذاك الطارق هم النهابة لصول الليل، الذين أعدوا أنفسهم بشكل جيد للإغارة على القرية ونهب ثرواتها وترويع سكانها بل وطردهم من قريتهم إن أمكن ذلك. فداهمت جموعهم المحتشدة بأصواتهم المرعبة ليلاً طرقات القرية من جهة (أرض بكر) ظناً منهم أنها ستكون مفاجأة غير متوقعة لسكان سنابس، لكن العكس هو الصحيح - كما يقول الرواة- فقد كانت عيون أولئك الرجال المؤمنين بالله ورسوله والواثقة المطمئنة من شجاعتها ودفاعها عن حقوقها ضد البغاة بقيادة بن خميس، هي التي فاجأت «الدقاقة» وأربكت حساباتهم كلها وجعلتهم كأيدي سبأ. واحتدم الصراع طرقات القرية تلك الليلة الموعودة ولعبت نيران البنادق الألمانية في أيدي المدافعين بأجساد المهاجمين أيما لعب، ولم تنجلِ خيوط الفجر الأولى إلا وقد سقط من المهاجمين على القرية نحو ستين فرداً مقابل شهيد واحد من أهالي سنابس. وكانت تلك الموقعة الفاصلة في تاريخ القرية الوادعة الآمنة هي التي وضعت حداً لتحرشات وتعدي تلك الفئة الباغية على أملاك وحرمات الناس المسالمين في وطنهم وأرضهم.


وقد حاول (الميجور ديلي) على إثر تلك الحادثة أن يستغل موقع أحمد بن خميس بطل السنابس لصالح مخططاته، لكن بن خميس فطن منذ البداية للعبة التي تمارسها السلطة البريطانية من أجل مصالحها، فرفض كل إغراءات ووعود «الصاحب» بدعم ومشورة علماء القرية وأعيانها.


وكما أن أحمد بن خميس لم يكن يستمع إلى مشورة وتحريض (ديلي) في أي قضية وطنية كذلك لم يعر أي اهتمام لكلام المستشار (بلغريف) عندما ضاق ذرعاً بمطالبه الوطنية التي ما انفك يقدمها لسلطات الحماية لرفع الظلم عن كاهل الناس ونشر العدل والمساواة بين أفراد الشعب البحريني. فكانت نصيحة المستشار لبن خميس - كما يقول على بن خميس - بأن يترك عنه تبني قضايا الوطن والمواطنين ويركز على تجارة اللؤلؤ الخاصة به باعتباره من أهم رجالها ورموزها الاقتصادية آنذاك، وأن يعمل على البحث عن مصلحة أسرته ويرسل أولاده هو فقط لخارج البحرين - إلى الهند تحديداً- ليكملوا دراستهم بعد الابتدائية في البحرين ولينالوا هناك أعلى الشهادات كي تصبح لهم مكانة في بلادهم وهو يضمن له ذلك. ولكن غيرة بن خميس الوطنية وتمسكه بالدفاع عن حقوق الناس المظلومين منعته من تنفيذ مشورة (بلغريف) لأنه لم يكن يؤمن بما يقوله في هذا الصدد. بينما استفاد صديقه سيد أحمد العلوي (والد سيد محمود العلوي أول وزير مالية في البحرين)، فأرسل أولاده( سيد محمود وسيد شرف) إلى كراتشي - كانت ضمن بلاد الهند آنذاك - وتعلموا ونالوا أفضل الرتب والشهادات من هناك.





وجه لعدة رجال



في تاريخ اللؤلؤ في البحرين حكاية صورة لرجل تضاربت حولهاعدة آراء بين عدة جهات ولم يتم التوصل تماماً للحقيقة بشأنها حتى اليوم. لكن أحفاد الحاج أحمد بن خميس أكدوا مؤخراً بأن صاحب الصورة هو جدهم أحمد بن خميس بدون شك. وهذه الصورة المحيرة حقاً - كما في المرفق- نشرت في أكثر من كتاب وموقع وعرضت في عدة مناسبات، كان آخرها معرض الصور بعنوان (In Search of Pearls) الذي أقامته وزارة الثقافة (والإعلام وقتها) والخاص برحلات تاجر اللؤلؤ الفرنسي المشهور في تلك الفترة من مطلع القرن العشرين وهو (Jacques Cartier) (1).


أما أول إشكال ورد حول تلك الصورة التي تضم خمسة رجال من زمن اللؤلؤ فقد جاء مع نشرها العام 1988 ضمن مطبوعات إدارة المتاحف والتراث بوزارة الإعلام حينها الموسوم بـ (البحرين حضارة وتاريخ) وفي باب الغوص على اللؤلؤ (2). كتب تحت الصورة التعليق التالي: « تاجر المجوهرات الفرنسي الشهير كارتيه في زيارته للبحرين ويبدو في الصورة من اليمين السيد يوسف أحمد كانو والسيد عبدالرحمن بن عيدان وكارتيه ثم السيد مقبل عبدالرحمن الذكير» ولم يتم الإشارة أو ذكر اسم الشخص الخامس الجالس في أقصي اليسار من الصورة. كما لم يذكر الكتاب زمان الزيارة ولا المكان الذي اجتمع فيه هؤلاء وقتها. أضف إلى ذلك، أن الكاتب لا يعرف الاسم الصحيح للتاجر الفرنسي وهو Jacques) Cartier) وليس كارتيه، فإذاً كيف سيعرف الشخص الذي يجلس على يسار (كارتير) من الصورة فقط؟. أما تاريخ الصورة فهو في نهاية موسم غوص العام 1911. وبما أن كل من في الصورة معروفون في تجارة اللؤلؤ حينها ما عدا المدعو بن عيدان؛ فقد بحثت في معظم مصادر ومراجع اللؤلؤ عن تاجر لؤلؤ معروف في البحرين في تلك الفترة يدعي بن عيدان فلم أعثر على شخصية مشهورة جداً في عالم اللؤلؤ البحريني بهذا الاسم!.


وتدور الأيام والسنوات حتى العام 2010 وتقع يدي على كتيب معرض (في البحث عن اللؤلؤ) الذي أقيم في البحرين وإذا بي أجد نفس الصورة فيه ومعها عدة صور للمدعو (Jacques Cartier) في بيت الذكير وفي أسواق اللؤلؤ وموانئه في البحرين العام 1911. ومما زاد في دهشتي ما كتب أسفل نفس الصورة في هذا الكتيب باللغة الانجليزية وهو التالي: «من اليمين إلى اليسار: يوسف بن أحمد كانو، سلمان مطر، جاكيوز كارتير، مقبل الذكير، وخبير لؤلؤ، التقطت الصورة في 1911 في بيت مقبل». انتهي النص ولكنه زاد الإشكال في صاحب الشخصية التي تجلس على يسار التاجر الفرنسي، من هو؟ ولماذا غير نفس المرجع - وهو هنا وزارة الإعلام - رأيه في صاحب الصورة بين العام 1988 والعام 2010؟! مع أن بعض الباحثين الشباب قد أكدوا لي بأن بيت بن مطر لم يؤكدوا بأن من في الصورة هو جدهم الأكبر تاجر اللؤلؤ المعروف سلمان بن مطر.


وأخيراً، وفي نفس سياق الحيرة والتساؤل حول تلك الشخصية اللغز، يؤكد أحفاد بن خميس بأنها لجدهم تاجر اللؤلؤ المعروف أحمد بن خميس لأنه حينها كانت شهرته قد طبقت آفاق عالم اللؤلؤ، ولابد أن تاجر مجوهرات ولؤلؤ مثل (كارتير) يأتي للبحث عنه والاجتماع به مع أقرانه من تجار اللؤلؤ في البحرين حيث كانوا كلهم يداً واحدة في طريقة التعامل مع التجار الأجانب حتى لا تتذبذب أسعار بيع اللؤلؤ في السوق المحلي. وبمقارنة صورة الجد - احمد بن خميس - السابقة التي نشرناها، من حيث شكل الوجه وطول الجسد ونحافته وقوة الشخصية، جعلهم يؤكدون أن الصورة له.


وليس آخراً، الأمر متروك للقراء ولبقية الباحثين لعل وعسي هناك من يثبت - بلا عواطف جياشه ومقاربات عائلية فقط - إن كان هو أحمد بن خميس أم لا؟




صحيفة الوسط البحرينية - العدد 3058 - الخميس 20 يناير 2011م الموافق 15 صفر 1432هـ

التعليقات (0)

شارك بتعليقك حول هذا الموضوع

شارك هذا الموضوع