شارك هذا الموضوع

الشيخ عيسى قاسم قاسم: أمة واحدة


بسم الله الرحمن الرحيم


اللهم صل على محمد وآل محمد وعجل فرجهم يا كريم


الأمة المسلمة أمة واحدة في آلامها وجراحاتها، وكلها مسؤولة عن إقامة القسط، وإشادة العدل في داخلها، وفي العالم ما وسعها الأمر ووجدت إلى ذلك سبيلاً.
وهي مسؤولة عن حماية حدودها الفكرية والجغرافية ومصالحها، وعن رد العدوان الأجنبي عن كل شبر من أرضها، وعن كل شعب من شعوبها.


وإذا كان لكل قطر من أقطار الأمة اليوم مشكلاته ومعاناته الداخلية، وخلافات بين أبنائه والنظام الذي يحكمه فهذا لا يسقط الواجب العامّ المتعلّق بحماية الأمّة، وكل أبنائها من بطش الأجنبي وإرهابه وعدوانه. في الوقت الذي لا ينسى فيه – أي قطر من الأقطار – همومه الداخلية التي هي من هموم الأمّة ويجب على الأمة أن تشاركه فيها، ولا يتوانى عن السعي الدؤوب لحلّ مشكلاته الخاصة وتحسين أوضاعه وأوضاعه، لأنه الأولى بذلك، ولن ينيب أحد عنه في هذا الأمر ويكون السابق له. إنه لا يسع أي قطر في الأمة أن ينسى نفسه وهمومه ومشكلاته لتتفقّد بدرجة أكبر، وتتأزم كل أوضاعه بصورة أشد.


وليس طبيعيّا أبدا ولا معقولا أن يُسكت على خراب البيت الداخلي وتبعثر أوضاعه، وسيادة الظلم والفساد كل أجوائه بحجة الاشتغال بالقضايا العامة للأمة، فيما عدا ظروف استثنائية جدا يتعرض فيها الكيان العام للأمة مثلا للإلغاء والمحق.
والمسألة في مثل هذه الظروف تكون مسألة استثنائية، وينسى كل بيت صغير وكل بيت كبير همومه الخاصة، وتكون هبّة قوية لدرء الخطر العام عن كيان الأمة. وهذه ظروف خاصة واستثنائية جداً.


وليس طبيعيّاً أبداً ولا معقولاً أن تقهقه الشوارع العربية والإسلامية, وتسبت مؤسسات المجتمع الأهلي للأمة وأهل غزّة يحاصرون، وتغلق عليهم كل المنافذ، وتُمنَع عنهم إمدادات الحياة، ويكتب عليهم العدو الإسرائيلي الموت الجماعي المتسارع.
إنَّ الأمة بكاملها لتعيش مسؤولية مشتركة أمام الله سبحانه ثمَّ التأريخ لو بقيت متفرِّجة على الوضع المأساوي للإخوة المسلمين في فلسطين عامّة، وغزَّة خاصة.
فإذا كان تفجر الغضب الشعبي للأمة كلّها ضرورياً أو نافعاً في رفع الحصار وتخفيف الأزمة هناك ليتوقف الموت السريع والجماعي للإخوة في الإسلام هناك كان لابد أن يحدث ذلك وبصورة قادرة على التأثير.


1) قضايا لا تحتاج إلى توضيح:
هناك قضايا بحسب طبيعتها ودرجة وضوحها، وبداهتها في الإسلام لا تحتاج إلى توضيح، ولكن قد يشتبه مشتبه فيتوجّب البيان العلمي الذي يعيد الأذهان إلى بديهية تلك القضايا.
أولاً: الراد على الرسول صلى الله عليه وآله رادّ على الله هذه قضية تستوي فيها مساحة الحكم الإلهي ومساحة الحكم الولائي، فسواء كان الصادر من الرسول تبليغ لحكم إلهي أو أمر حكومي فإنّ الردّ عليه في هذا أو ذاك هو من الرد على الله سبحانه، ووحدة الرد هنا وحدة تنزيلية وليست عينية، بمعنى أنّ الرد على الرسول صلى الله عليه وآله هو في حكم الرد على الله، وبمنزلة الرد على الله، وليس هو هو، فإن ردّ أحدنا على أمر بعد ردّه الأول مثلا لا يعني أنّ الردّ الثاني هو عين الردّ الأول. ولماذا الردّ على الرسول صلى الله عليه وآله هو بمنزلة الرد على الله سبحانه وتعالى، لماذا؟ لِما قاله سبحانه {.. مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا...}(16)، وقوله سبحانه {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى}(17)، وقوله سبحانه {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً}(18).
فالرد على الرسول صلى الله عليه وآله فيه ردّ لأمر الله باتباعه وطاعته والأخذ منه والتسليم لحكمه. وهذا لا غبار عليه.


ثانياً: الرّد على من نصبهم الله أئمة للمسلمين في دينهم ودنياهم بعد الرسول صلى الله عليه وآله ردّ على الرسول صلى الله عليه وآله فيما بلّغه من إمامة هؤلاء المنصوبين، وهو ردّ لأمر الله بطاعتهم {أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ}(19) فالراد على الإمام راد على الله بحكم الآية الكريمة {أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ}.
والخلاف في أن تنصيب الله عزّ وجلّ للأئمة بعد الرسول صلى الله عليه وآله هل هو تابع لتنصيب الناس لهم عن طريق الشورى الخاصة أو الانتخاب العام أو هو تنصيب ابتدائي من الله وأن الخيرة له لا لغيره؟
وسواء أخذ المسلم بهذا الرأي أو ذاك لزمه أن لا يرد على الإمام المنصوب أو المُمضى إمامته. الله عز وجل إما أن ينصب الإمام ابتداءً أو أن ينصّبه الناس ثم يمضي الله عز وجل منصوب الناس، سواء كان عادلاً أو كان فاسقاً، كان عالماً أو كان جاهلاً، وسواء قلنا بأن شأن الله عز وجل في الأمر هو التنصيب الابتدائي، وأن لا خيرة لأحد إلا هو، أو قلنا بأن شأنه في المسألة إمضائي لإمامة أي إمام منتخب، فإن هذا الإمام حتى الممضى ستجب طاعته، بعد إمضاء الله عز وجل لإمامته، وعليه أخذنا بهذه النظرية أو تلك النظرية سيكون الرد على الإمام ردا على الله عزوجل.


ما معنى الرد على الإمام؟ الاستكبار على أمره، وتكذيب أو رفض نقله التبليغي عن الرسول(ص). ينقل الحكم عن الله اعتماداً على العلم الذي تلقّاه عن رسول الله صلى الله عليه وآله، فنقول لا نقبل منك، ويحكم بحكم، ويقضي بقضاء، ويأمر بأمر فنقول له لا نقبل منك، ونأخذ بالرأي الذي نذهب إليه، فهذا هو الرد على الامام الذي ينتهي الى الرد على الرسول(ص) والمنتهي أخيراً الى الرد على الله سبحانه، والمذهب الجعفري الذي نتحدث عنه وكان عنه الحديث في محرّم على الرأي القائل بالتعيين، بأن الله هو الذي يعيّن الإمام، ويمتلك من الأدلة على هذا الرأي ما لا يسعه رفع اليد عنه، وليس هذا مجال التفصيل.


ورأي المذهب في الأئمة الإثني عشر صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين أنهم معصومون لا يدخل نطقهم باسم الدين في حكم من أحكام الشريعة المتلقّاة من رسول الله صلى الله عليه وآله أو في حكم من الأحكام الولائية خلل عن جهل أو عمد أو سهو. وهم معصومون خارج هذه الدائرة كذلك.
هذا رأينا، ولنا أدلتنا، وليس من حق أحد أن يصادر علينا الرأي وحرية الفكر والمعتقد.
ونحن لا نحمل السيف لإجبار الناس على مذهبنا، وكون هذا أو ذاك لا يرى العصمة إلا للأنبياء عليهم السلام لا يعطيه الحق بأن يلزمنا برأيه ولا يملك علينا الرأي، وأن نفارق ما دلّ عليه الدليل عندنا.


ثالثا: الراد على الفقهاء رادّ على الأئمة عليهم السلام الذين ثبت من الدليل أنهم أرجعوا شيعتهم إلى الفقهاء العدول في زمن الغيبة ونصّبوهم نوّاباً يرجعون إليهم، وأمروهم بطاعتهم، وعليه فالمستكبر على الفقهاء من المؤمنين الراد عليهم كأنه يقول للأئمة عليهم السلام لا أطيعكم في أمركم بالرجوع إلى الفقهاء، وفي تنصيبكم لهم نوّاباً لكم في غيبتكم، وهذا العصيان للأئمة عليهم السلام عصيان لرسول الله صلى الله عليه وآله الذي أمر بالتقيد بأمر الأئمة عليهم السلام ونهيهم، وعصيان لله الذي نصّب الأئمة عليهم السلام في منصب الإمامة بعد رسوله صلى الله عليه وآله، وبلّغ عنه الرسول كما في رأينا الاعتقادي العلمي الثابت.


تنبيهات:
1- لله في الناس سفينة نجاة، وسفينة النجاة في حياة الرسول صلى الله عليه وآله هو الإسلام ورسول الإسلام الذي يفهمه الفهم المعصوم ويطبقه التطبيق المعصوم، وسفينةالاسلام بعد الرسول صلى الله عليه وآله في نظرنا هو الإسلام المتنزّل على رسول الله صلى الله عليه وآله، والمتلقّى من الإمام بدقّة، مع ضميمة الإمام، يعني أن سفينة النجاة بعد النبي(ص) إنما تتم بالإسلام والإمام المعيّن من الله الذي يفهم الإسلام الفهم المعصوم, ويطبقه التطبيق المعصوم.
والعقل يقول لنا والدين يقول لنا أن الإسلام لا يبقى معصوما في فهمه النظري، وفي واقعه العملي ما لم يكن الإمام القائم على الإسلام، والناطق به والمبلّغ له والحاكم باسمه معصوماً.
الخارطة الدقيقة لا يسلم لك من دقتها في فهم مهندس قاصر إلا بقدر فهمه. والإسلام بعيد الغور، وكم اختلفت اجتهادات الكبار في شأنه، وشطت بعض الاجتهادات الشطط البعيد الذي لا يناسب أحيانا حتى مستوى ذلك المجتهد المخطئ في اجتهاده. وسفينة النجاة التامة والشاملة هي في الإسلام المعصوم فهما وتطبيقا لا في ما دونه.


2- الفقهاء العدول لا يبلغون مبلغ الأئمة المعصومين عليهم السلام، ولكنهم القمّة على مستوى المرجعية الإسلامية في زمن الغيبة، وهم الذين دلّ الدليل عندنا على مرجعيتهم، ووجوب الأخذ عنهم، وطاعتهم، وكونهم النوّاب الحقيقيين عن أئمة الهدى عليهم السلام في غيبتهم. وعند ظهور القائم عجل الله فرجه يرجع الأمر كلّه إليه، وهو المتصرّف في نصب أو عدم نصب من يشاء من الفقهاء نوّاباً خاصّين.
وحرمة الرد على الفقهاء لا تنشأ من عصمة فتواهم وعصمتهم، وإنما تنشأ من عصمة أمر الإمام عليه السلام الذي شدّد على اتباعهم والأخذ منهم والانصياع لما يحكمون به.


3- حاشا للإسلام الحق أن يقبل خلافة يزيد، أوطريقة استخلافه كذلك، وأن يقبل في مقام الكلام عن الإسلام وحقائقه الاحتجاج باسم القانون الوضعي والتهديد به، فهذا ليس من الإسلام، وهو جديد على الإسلام، وكيف لا تكون نظرية الجبر التي تبرر لمعاوية ويزيد ظلمهما، أو تبرؤهما من الظلم، وتحمله على الله سبحانه وتعالى، حيث هو الذي أجبر يزيد وأجبر معاوية على الظلم، ثم يعاقبهما على ما أجبرهما عليه، وبذلك يكون سبحانه قد ظلم مرتين.


4- مرة نتحدث عن أخطاء الواقع السياسي وعندئذ نتحمل مسؤولية هذا الكلام، ومرة يكون الحديث عن انحرافات يزيد وشناعاته فيتولى البعض إسقاط ما عن يزيد على واقع سياسي معين وذلك من مسؤوليته.


5- كيف يستقيم القول بطاعة أولي الأمر بصورة مفتوحة ومن دون شرط فقاهة ولا عدالة والتي يقول بها البعض، وينادي بها في مواجهة المطالب الوطنية، ولتكميم الأفواه، كيف يستقيم هذا مع استنكار واستهوان القول بطاعة الفقهاء العدول؟!
ونسأل: أليس القول بطاعة أولي الأمر راجعا إلى فكرة أن الراد عليهم بمنزلة الراد على الله الذي أمر بطاعتهم بغض النظر عن فقاهتهم وعدالتهم كما يرى هذا البعض؟!
فإنّه إذا كانت معصيتهم لا تعني معصية لله، وكان الرد عليهم لا يعني الرد والاستكبار على الله فكيف وجبت طاعتهم؟!


2) قضايا لا تحتاج إلى توضيح – تتمة:
1. الفقهاء رأيهم في كثير من المساحة الفقهية رأي اجتهادي قد يصيب واقع الحكم الثابت عند الله سبحانه وقد يخطئه، ويجوز في حق أيّ فقيه آخر أن يؤدي به الاستدلال إلى رأي اجتهادي يخالف رأي صاحبه، والحجة في حق كلّ من الفقيهين هو ما أدَّى إليه اجتهاده، لا اجتهاد مقابله.
أمّا الرد على الفقيه إذا كان قائماً على التشهّي وبلا حجة شرعية فهو غير جائز، كما هو الاتفاق عند كل المسلمين. ويأتي ذلك من مثل غير المجتهد.
ولو ثبت أن غلق باب الاجتهاد هو الصحيح شرعاً لسقطت قيمة كل اجتهاد لاحق لمن أوقفت الشريعةُ حق الاجتهاد عليهم. ولكن باب الاجتهاد عندنا مفتوح.


2. لو استحقَّ أحد الإماميَّة الإثنى عشرية التكفير لقوله بعصمة أهل البيت (ع) لاستحق كل المنتمين لهذا المذهب أن يُكفّروا لأن القول بعصمتهم (ع) من المقوّمات الضرورية للمذهب.


3. من سلَّم بأن إطاعة الرسول (ص) إنما هي بأمر الله، وأن إطاعة الإمام بأمر الرسول (ص)، وإطاعة الفقيه بأمر الرسول (ص) أو الإمام لزمه حتماً أن يرى في الرد على المأمور بطاعته رداً على الآمر بتلك الطاعة. والنقاش كلُّ النقاش في ثبوت الأمر وعدمه. وكما يعبّر المناطقة النقاش صغروي لا كبروي. يعني هناك أمر من الرسول (ص) بإطاعة الإمام أو ليس هناك أمر، أما لو ثبت الأمر من رسول الله صلى الله عليه وآله، أو من الله عز وجل مباشرة بإطاعة الامام كان لابد أن نعترف بأن الرد على الإمام هو رد على الرسول (ص)، وعلى الله سبحانه وتعالى.


والأمر لا يرتبط بالعصمة وإن كان كاشفاً عنها على بعض المستويات كما في أمر الله عزّ وجلّ بالطاعة المطلقة للرسول (ص)، وأمر الرسول بالطاعة المطلقة للإمام. فهذان الأمران كاشفان عن العصمة، ولكن إطاعة أمر الرسول (ص) أو إطاعة أمر الله عز وجل حين يأمر بإطاعة شخص لا تتوقف على عصمة ذلك الشخص دائما..


وقضية أن الردَّ على المأمور بطاعته هو ردٌّ على الآمر بهذه الطاعة قضية عقليّة وعقلائية. ولاستنطاق بعض النفوس حول هذه القضية نذكر مثالين:
ماذا يقول الناس في الراد على منصوب القيادة السياسية العليا أو العسكرية العليا في حدود الصلاحيات الممنوحة للمأمور بإطاعته؛ أهو راد على تلك القيادة أو لا؟ إذا نصّبت القيادة العسكرية العليا، أو القيادة السياسية العليا في أي بلد شخصاً وأمرت بإطاعته، الرد على ذلك الشخص ماذا يعد؟ واضح جدّاً أنه رد على القيادة العسكرية أو السياسية نفسها. هذا مع التنبيه على أن هذه القيادة أو تلك لا تتصف بالعصمة.
من رفض طاعة والديه في حدود ما أمر الله عز وجل به من طاعتهما ماذا يقال عنه؟ عاصٍ لله سبحانه وتعالى.


4. من لم يدرك منا - نحن المسلمين جميعاً – أن الأخذ للفقه من إمامه منتهٍٍ إلى إذن الله بنحو الجواز أو الوجوب سواء كان هذا الإمام من أئمة أهل البيت عليهم السلام، أو الأئمة الأربعة مثلاً، ومع ذلك يأخذ منه فهو بعمله هذا لا يعبد الله عزّ وجلّ لأن الله إنما يُعبد بامتثال ما أمر به لا بما أمر به غيره. فأنا لو صلّيت الصلاة على رأي الإمام جعفر الصادق عليه السلام، مع كوني لا أعتقد بأن أمر الإمام الصادق عليه السلام منتهٍ إلى أمر الله، فإن عبادتي هذه ليست لله عز وجل، هذه عبادة لجعفر الصادق عليه السلام، والمعبود هو الله وحده.
ولو رد أحدنا على الإمام الذي يعتقد بإذن الله له في الفتوى والتصدي لإمامة الفقه وبوجوب أخذ الغير لدينه منه فقد ردّ على الله سبحانه سواء كان الرد للحجّيّة أو بالاستكبار على الفتوى التي يراها الرادّ حجة عند الله عزّ وجلّ يحاسب العبد عليها، ويعذبّه بها.


5. الاختلاف في الرأي بين المذاهب الإسلامية الثابتة لا يُنكر؛ وهو لا يهز إيماننا مطلقاً بوجوب التقارب النظري بين المسلمين ما سمحت به المذاهب نفسها، ووجوب توحّدهم عملاً في ما يحمي الإسلام، ويحافظ على كيان المسلمين، ويدفع عنهم غائلة أعدائهم، ويحقق مصلحة أوطانهم، ويمتِّن العلاقات الإيجابية بينهم. والعمل على تقارب المسلمين، ووحدتهم واجب إسلامي لا فرار منه، ولا يثنينا عنه شيء.


6. هناك مطالب سياسيَّة ملحّة وضرورية لصلاح هذا الوطن، ووحدة أبنائه يجب على الحكومة أن تعترف بضرورتها، والمبادرة للاستجابة العملية لها بدل تشويش أجواء الساحة السياسية بقضايا مفتعلة، وافتعالات لا أصل لها. فيجب على المؤسسات السياسية وعامة المؤسسات الأهلية والساحة الشعبية أن تسعى جاهدة للوصول إلى تلك المطالب مع استبعاد أساليب العنف والمواجهات الساخنة والاستفادة من كل الأساليب الأخرى القانونية والشرعية مع ملاحظة ضرورة الانتقاء المدروس، من غير الاستجابة لمحاولات الاستفزاز التي تثيرها الصحافة المغرضة إضراراً بالوطن والمواطنين، ووحدة الصف المسلم.


7. في أكثر من موسم من مواسم عاشوراء وبصورة ملفتة للنظر تثير الصحافة الرسمية مشكلة مفتعلة تربطها بالموسم ولنا شكوك وتساؤلات ترتبط بمثل هذه الإثارات المختلقة والمؤقّتة توقيتاً خاصّاً يرتبط بعاشوراء فهل هناك نية سوداء على المستوى الرسمي ترتبط بالموسم ذاته؟ ولماذا نُسيء الظن وإن كانت أسباب إساءة الظن متوافرة؟!


8. الكلام عن وجوب إطاعة الأئمة من أهل البيت عليهم السلام، وإطاعة الفقهاء الذين ثبت الأمر عنهم عليهم السلام بوجوب إطاعتهم ليس من الحديث المستجد المرتبط باليوم أو الأمس القريب، إنه الحديث المرتبط بزمن الرسالة والرسول صلى الله عليه وآله، وهو حديث اليوم والغد، ولا علاقة له بظرف خاص من الظروف التي تمر بها الأمة، أو منطقة من مناطقها، أو قطر من أقطارها.
والكلام في متابعة العلماء قديم قدم الإسلام، وقدم الرسالات الإلهية كلّها، وهو كلام القرآن الكريم، والسنة المطهّرة، وكلام كلّ فرق المسلمين، ولا يصح أن ينتهي هذا الكلام أو يُتوارى به لهواجس واهمة قد تعيشها بعض الأوساط السياسية، وهو كلام لا علاقة به بتوجّهات سياسية معيّنة، وطرح سياسي عملي خاص يرتبط بساحة سياسية محليّة أو إقليمية.


وعلى المستوى المحلي توجد قضية مطالب إصلاحية سياسية ومعيشية على مستوى ما هو مطروح بصورة وأخرى في كل البلاد العربية والإسلامية وغيرها، وستبقى هذه المطالب قائمة على كل التقادير حتى تحقّقها. وهي قضايا داخلية، ونختار أن تبقى داخلية مع الإصرار على معالجتها.


وقد رفع الجانب الرسمي شعار الإصلاح وربطه بالديموقراطية، وأكّد على ذلك الميثاق، وقد جاء ذلك استجابة لمطلب الانتفاضة في التسعينات، وهو مطالب اليوم بالالتزام بما أكّده الميثاق من الملكية الدستورية القائمة على الديموقراطية، ومن كون الدولة عربية إسلامية، ومن أن الإسلام مصدر رئيس من مصادر التشريع، ويلتفت إلى انه لا نصّ على هذه الخصوصية إلا للإسلام في الميثاق مما يجعله مقدّما على غيره عند التعارض.


وليس مطروحا في الساحة على الإطلاق وبكل تأكيد مسألة حكومة الفقهاء أو العلماء للبحرين، ولا حتّى التفكير في ذلك، والتهويلات السياسية التي تضرب على هذا الوتر إنما هي لإثارة الغبار، ومحاولة قطع الطريق على المطالب الوطنية المستندة إلى ما قرره الميثاق من حقوق والتزامات، ومنها الالتزام بدستور نابع من إرادة الشعب مصدر كل السلطات كما هو تقرير الميثاق نفسه.


والحقوق المقررة ميثاقا ليست خاصة بفئة من فئات هذا المجتمع، أو طائفة من طوائفه، ولا ترتبط بفهم دينيّ أو غير ديني، ولا بفهم ديني خاص في قبال آخر.
ونذكر بأن علماء البحرين من كان منهم داخل البلد أو خارجه أيام الانتفاضة، وأبّان الأحداث الصعبة، وحماقات الجهاز الأمني وكل سيئات الحقبة السابقة لم يطرح أحد منهم ولم يلوّح بمسألة حكومة الفقهاء والعلماء، وبقيت المطالب على ألسن العلماء كسائر فئات الشعب مطالب إصلاحية، ولم تتحدث عن أصل النظام. ونؤكد من جديد أن هذه المطالب لم تُبارح، ولن تُبارح حتى تتحقق.


9. أما وجود الفقه والفقهاء، والعلم الديني والعلماء فهو ضرورة من ضرورات هذه الأمة، وحاجة ملحّة من حاجات كل أقطارها، وهم صمّام أمان لحفظ هوية الأمة، وسلامة دينها.
ولست تجد فئة من فئات المجتمع أكثر وعياً، وأشد حرصا على تطبيق العدل ورعاية الواجبات والحقوق، والحفاظ على أمن الناس وسلامة الأوطان والمكتسبات الصالحة، وأبعد عن روح العدوانية وتجاوز القيم، والاستخفاف بإنسانية الإنسان، وأقرب إلى العقلانية والتعقّل من فئة الفقهاء وعلماء الإسلام الحقيقيين.
هناك تصوير للفقهاء وللعلماء وكأنهم أسد مفترس، أو كأنهم من مجانين الأمة، أو من أشرارها وسفلتها، وهذا من أكبر الظلم الذي تمارسه بعض الجهات.


10. وإذا كان هناك من يتوقّع من هذه الفئة أن تأخذ دور الشيطان الأخرس، وتقر أي ظالم على ظلمه، فضلا عن أن تسنده في بغيه أو تفرط بواجبها الديني في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهو واهم، وأمنياته باطلة.
ومن يتصوّر أن حملات الاتهام والتشويه والإسقاط والتهويل ستوقف العلماء عن النطق بكلمة الحق، ومناصرة المظلوم، وستجعلهم يتخلون عن الضعيف والمحروم، ويتراجعون إلى الوراء انهزاماً أمام هذه الحملات فرأيه ساقط، وظنّه خائب.


اللهم أصلح شأننا كله للدنيا والآخرة، وعافنا واعف عنا، وبارك لنا في أعمارنا وأرزاقنا، واحفظنا في أنفسنا وأهلينا، ومن يعنينا أمره، وأصح ديننا وأبداننا، وانصر الإسلام والمسلمين، وأذل الكفر والكافرين، والنفاق والمنافقين. اللهم زدنا من نعمك، وادفع عنا نقمك برحمتك يا أرحم الراحمين، وأكرم المعطين.

التعليقات (0)

شارك بتعليقك حول هذا الموضوع

شارك هذا الموضوع