شارك هذا الموضوع

رواديد بحاجة لطبيب نفسي (2)

ولن أطنب في الحديث عن الاشتراطات المالية التي يشترطها البعض ليتكرم ويتلطف علينا بمشاركتنا احتفالنا ، ففي قريتي الصغيرة استدعى الإخوة أحد الرواديد المشهورين فاشترط الأخير عليهم أن يضعوا في حسابه مبلغاً معيناً قبل أن يغادر بلدته وإلا لن يأتي وفعلا هذا ما حصل ..


وأخبرني أحد الإخوة الشعراء الذين يكتبون لرادود شهير – والعهدة عليه - أن هذا الأخير استلم عن شريط من أشرطته التي أنتجها مبلغ 80000 دينار كويتي أي ما يعادل 900000 ريال والحسبة عليكم فعلا مبلغ كويس أوي لا يأخذه عتاة ومردة المغنين ، فهل هذا ما يريده من أهل البيت ؟ ولن أجدني متجنياً إن قلتُ إنني شاهدتُ بعضهم وفوجئت بلون براطمه الشاحبة فقد تعودتُ أن أراها تلفزيونياً بلون الطماطم البلدي مشبعة بالحمرة وزالت مفاجئتي طيبة الذكر عندما أخبرني أحد المؤمنين الثقاة في معرفة البراطم وما يجري عليها وما يعرج فيها بقوله : إنه يستخدم ملوناً خفيفاً تستخدمه النساء عادة أي كما تفعل المغنيات ( فرد شكل ) .. فهل هذا ما يريده منا أهل البيت ؟ ..


ولن أتحدث بتفصيل ممل عن رسائل sms التي تتناقز على شاشة التلفزيون مثل ( فور علوز ) والتي أفردت لها إحدى فضائياتنا ثلاثة خطوط ، ولن تكون نوعية ما يُكتب فيها أسوأها فالمار عليها مرور الكرام سيجد العجب العجاب وخاصة من قبل أخواتنا المؤمنات الفاضلات فهذي تُسمي نفسها ( عاشقة فلان ) وتلك ( متيمة علان ) وأخرى ( منحورة .... ) وهكذا دواليك .. حتى بلغ بنا الأمر أن ننشر أسرارنا العائلية على هذا الشريط ..


وأن نرسل القبلات لبعضنا البعض من خلاله وعلى عينك يا تاجر . ولن أكون مجانباً الصواب لو انتقدت الطريقة السمجة والاستجداء من الناس رشحوا هذا وصوتوا لهذا مع وعود ومواثيق بجوائز قيمة إن فزتَ معهم وبمعنى آخر تدفع من جيبك ومن قوت عيالك أموالاً مؤكدة باحتمال فوز ضعيف .. ولست أدري هل هذا جائز شرعا .. طبعا لا نناقش هنا أحقية هذه القنوات في دعمها مادياً لتقف على رجليها ويُكتب لها النجاح والاستمرار ولكن ليس بطريقة الاستجداء والوعود المخملية البراقة بل بحث الناس حثاً رقيقاً رفيقاً وتسهيل طرق الدعم أمامهم وأنا الزعيم بأنهم سيبذلون ما يستطيعونه ، فحبُ الخير متأصل في نفوس شيعة أهل البيت .


ولنعد مرة أخرى للرواديد فنتحدث عن تلك الابتسامات التي تشطر وجوههم نصفين وهم يُنشدون المراثي واللطميات على أبي الشهداء عليه السلام فهل تجدها مناسبة أن نتحدث عن جوانب من مصرعه الشريف بابتسامة تعلو محيانا كأننا نغرد في عُرس .. فهل هذا ما يريده منا أهل البيت ؟ حتى وصل بنا الأمر لجلب ممثلين يعلم الله وحده تاريخهم الأسود وإقحامهم بفيديو كليب عن سيد الشهداء وهم يتباكون ويعتصرون أنفسهم ( تمثيلاً طبعا ) لمصاب الحسين ..


سؤالي هنا هل هذا المصاب لا يصل قلوب الناس إلا بهذا الممثل ، تذكرتُ هنا قراراً في هوليود يشترط على من يمثل شخصية المسيح أن لا يكون مارس التمثيل قبلها ولا يمارسه بعدها لكي يضمنوا ألا تُخدش شخصية المسيح بممثل له تاريخ أسود ماض أو لاحق .. ولكم أن تتصوروا لو مثل شخصية الإمام الحسين عليه السلام شخص تافه كعادل إمام – لا سمح الله - فهل سنقتنع نحن به يؤدي هذا الدور أم سننتفض ونرفضه رفضاً قاطعا ، وكل ما أخشاه أن ننحدر لهذا المستوى لأن مبدأ جلب ممثل سوري شهير ودحشه دحشاً بفيديو كليب لرادود شهير أيضاً هو استغلال لشهرة هذا الممثل ومعرفة الناس به ، فمن يضمن ألا ننـزلق لمن يفوقه ابتذالاً وفسقا وبعدا عن الله وندفع له أموالاً لينير كليبنا .. أقول إنني كما كررتُ مسبقاً لا أنكر الدور الايجابي الذي يقدمه خدام الحسين والرواديد بالذات وأنا هنا لا أنتقدهم وجوداً ولا أرومُ إلغاءهم ولكني أتحدث عن شريحة منهم بدأت تطفو على السطح في حين يرسب من هو أكفأ منها ديناً ووعياً وتمسكاً بنهج أهل البيت القويم ..


لعل إيراد هذه الأمثلة كان مفاجئة للبعض وتجريحاً ونشر غسيل للبعض الآخر ، أو ربما يوسمها آخر بأنها لم ترق لمستوى الظاهرة بعد.. ولكني على المستوى الشخصي ولطبيعة مشاركاتي الاحتفالية في الأحساء والدمام والقطيف والبحرين أكادُ ألمسها متربعةً في كل هذه الأماكن ويندر أن تجد حفلاً هنا أو هناك لا تتضمن فقراته رادوداً هو في أمس الحاجة لزيارة طبيب نفسي حتى حدا بشاعر عملاق من شعرائنا أن ينظم قصيدة يُعالج فيها بعضاً من هذه الظاهرة ويُصدّرها بهذا البيت : خَلِّ الحفلْ يالشاعر المقرودْ للشيخ نص ، ونص للرادود أما من جهة بعدها الديني فلستُ هنا لأناقشها من هذا الجانب ولستُ مضطراً أيضاً لاستعراض آراء فقهائنا الأجلاء فيها لأني لم أتناولها من هذا البعد ومن أراد ذلك فليذهب لمظانـها في مواقع سادتنا ومراجعنا العظام وسيرى الرأي التفصيلي حولها وحكم ألحان الغناء المستخدمة فيها وما إلى ذلك ..


ما يُهمني هنا هو البعد الشكلي والضمني للقضية حتى وإن كانت هذه الألحان وهذه النغمات في تناول مصاب الحسين جائزةًً شرعاً فلن يكون هذا الجواز شافعاً لها لنيل رضانا ، فليس كل ما هو مجاز شرعاً تعمله الناس ، فعندنا شرعاً مثلاً أن عورة المحارم هي من السرة إلى الركبة فقط فهل نعيش نحن هذه الحالة بحيث أن الأخت تجلس مع أخيها ساترةً هذه المنطقة فقط وتطلق الريح للباقي وهو جائز بانتفاء الريبة والتلذذ .. طبعاً لا ، أيضا ( ولا يزعل الحمار ) فأكل لحمه جائز شرعاً هنيئا مريئا .. ولكن من منّا فكر في اصطياد حمار شهي وافتراسه أو شويه على الكورنيش .. أحبتي ..


ربما كان النقد قاسياً ، وربما كان الهمس عاليا ، وربما كان النسيم عاتيا ولكن يعلم الله بالنيات .. فبزعمي أن الضربة الموجعة واللسعة اللاذعة هي الوصفة الناجعة بل الوحيدة لكثير من العلل .. ولو رأيتَ ابنك في طريقه للسقوط من مكان عالٍ فستجذبه من ذراعه حتى لو انخلع .. نحن هنا لا نتحدث عن مشكلة اجتماعية أو خلافٍ في وجهات نظر حيال قضية أدبية أو فنية .. إذ لو كان الأمر كذلك لهان علينا صعبُه وفتر ندبه ، ولكننا نخوض غمار قضية متعلقة تعلقاً مباشرا بمسألة العقيدة وما أدراك ما العقيدة .. هؤلاء الرواديد لا يُنشدون أو يتداولون ألحاناً في عشق أو حب أو ما شابه ذلك هؤلاء يعزفون وتر أبي عبد الله الحسين ويتغنون باسمه ، ويصدحون بمصابه وينكؤون جرحه .. هؤلاء يتحسسون مشاعر شيعةٍ تبحثُ عن أي سبيل يوصلهم إلى الحسين عليه السلام ..


فلو انحصر هذا السبيل في نغم راقص أو رادود برجليه فاحص فسيكون تعلقهم أوهن من بيت العنكبوت إذ لم يُبنَ على أساس متين من فكرٍ راقٍ وقراءة متأنية متفحصة وعقيدة تُزرع في قلوبهم زرعاً لتنبت مع الزمن حديقةً غناء من المودة والولاء والعشق الأزلي والذوبان إلى درجة الانصهار في الحسين .. وهنا يأتي دور سادتنا طلبة العلم للتصدي والأخذ على يد كل من تسول له نفسه أن يعبث في هذا المقدس .. أو حتى يدنو منه .. فتحرك طلبة العلم في هذا الجانب لم يكن بالمستوى المطلوب مع كل أسف . ولن يُقنعني تعليلٌ يتكرر بأن هذه الألحان والنغمات أبعدت الناس عن الغناء ..


فبزعمي أن هذه الأناشيد قربتهم من الغناء وسهلت عليهم مطلبه ورققت خشنه .. كان الناس إلى عهد قريب يجلسون أمام التلفزيون والريموت بأيديهم خوفاً من موسيقا عابرة أو لحن طافر فيبادروا بكتمه .. أما الآن فلا نستطيع أن نجبر أبناءنا ألا يقتنوا أشرطة تعج بالموسيقا من أولها لآخرها .. وإن اعترضنا قالوا لنا (هذا لطم هذه مواليد ) فننطم ..


ربما نكون متخلفين وغارقين في تخلفنا لأننا نشأنا مع رواديد كحمزة الصغير وياسين الرميثي وأضرابـهما ، كنا صغارا لا نعي كثيرا مما يقولون بيد إننا لا نستطيع حبس دمعة تصارعنا أو عبرة تخنقنا .. ولقد شاهدتُ وأنا في سن مبكرة كيف كان آباؤنا يغادرون مجلس العزاء لينخرطوا في بكاء هستيري من شدة التفاعل مع العزاء وكثرة التأثر من لحن شجٍ عبر بهم كل المسافات ليستقر في عرصة كربلاء وسلط الضوء على البركان الهادر هناك .. هكذا كانتْ رسالة العزاء وهكذا كانوا يتمتعون بعقيدة كالرواسي لا تزلزلها الرياح العاتية .. همسة أخيرة ..


لم أقصد بكلامي كل الرواديد فهناك مجموعة يجللها الإيمان وتغمرها التقوى نذروا أنفسهم لخدمة الحسين .. وحين تعلم أنني كتبتُ قصائد لكثير منهم ستقتنع حتما بأني لا أقصد الكل ، بل كل كلامي موجه لنماذج بعينها .. وكل رادود يرى نفسه بعيداً عن هؤلاء فهو أبعد ما يكون من قصدنا ..

التعليقات (2)

  1. avatar
    عقيل

    سلمت أناملك التي خطت هذه الكلمات الصادقة والواعدة بالخير نتمنى أن لا تحرمنا من قلمك المبدع في حلقة أخرى أو مقال جديد آخر مع حبنا وتقديرنا إليكم

  2. avatar
    ابو الياس

    السلام على الحسين وعلى اولاد الحسين وعلى اصحاب الحسين اشكرك يااخي كل الشكر ولكن المبالغ المذكور بالمشاركة كبيرة وتستحق التدقيق في راى قبل العرض لان هناك من يتصيد على المذهب ويتمنى الحصول على اصغر النواقص للتمسك بها كما انني ادعوك اخي الى تجنب التهويل والتشهير كان موضوعك السابق جميل ومفيد ولكن اليوم موضوعك يحتاج الى اكثر تمعن وتحليل وفقك الله الى خدمة الحسين وفق الله الرودايد لخدمة الحسين وشيعة الحسين ووفقنا الله جميعاً لاجياء مراسم عاشوراء واخمدالله الفتنة التى يتمناه لنا عدوءانا واعداء اهل البيت .

شارك بتعليقك حول هذا الموضوع

CAPTCHA security code

شارك هذا الموضوع