شارك هذا الموضوع

كان في السجن يا ما كان (26) - حصن حقوق المحرومين

تعود السيارة بنا كالبرق محملة بالأجساد المعذبة والقلوب الملتهبة ، نصل الغربة من جديد لنسكن القبور المهجورة ..... الزنزانة هذه المرة دخولها كالإقدام على السقوط من شاهق .... المرة الأولى تقصدها بلا ميعاد ... أما الآن فرجلاك سائرتان لميعاد معلوم تنتظرك فيه الكوابيس المزعجة وتحف بك الأقدار بشرورها ، ولاتنتظر من خيراتها إقتراباً .... تجدح المآسي لك من بوادرها شرار ، ينتزع الراحة من جذورها ، وتسير بقدميك إلى قدر لا أتعس ولا أتعب من ذاك .


ها قد عدنا وصار لقاء الأحبة ماضياً وذكرى تتقلب مواقفه في دائرة العيون وتسرح في لحظاته مواقف الخيال .


في الشهور السابقة نفض ( العنبر) كثيرا من ساكنيه ، بين من يسعى به حظه إلى قدر جميل ، وبين من يراد به عكس ذلك .... وفي الشهور اللاحقة بدأت الزنازين تتسع بنزلائها حيث لا أكثر من إثنين أو ثلاثة ....أسابيع متكدسة من أعمارنا تفوت ولا نسمع عن شيخنا السجين شيئا .... كل ما سمعناه خبر اعتقاله بعد اعتقالنا بثلاثة أيام .... ذلك ( الجمري ) الصانع من عمامته حصناً يحمي به حقوق المحرومين .... الذي قال للإغراءات لا ، وطلق المناصب في سبيل نيل الحقوق .


يعتمون عليه الحقائق بإقصائه عن الوجود ، ويعتمون علينا حقيقة وضعه وصحته .... شيخ تجاوز الثمانين يعتقلونه ، بل يعتقلون قضيته علهم يظفرون منه بإحناءة رأس .... ألا يعرفون إمتداده من أين ياتي ..... إنه قادم من النجف الأشرف ، ربته يدا علي والحسين ، يملك الدنيا ولا تملكه الدنيا ، بهذه الصفات إمتلك القلوب واستولى على حبها .... ولكن أين أخباره نتطلبها فلا نجدها .


هو وأنصاره وحواريوه مغيبون في التعتيم لا تصلنا من أخبارهم إلا القصاصات لانعرف الحق منها من غيره .


وها هي الأشهر الحارة تشتد وطأتها على المحبوسين في تنور البلاء وأصحاب الأجساد الصحيحة يعانون الأمرين من طقس الهجير .... كيف بالمصابين بالأمراض القاتلة ... مرض الربو والقلب .... في منتصف الليل وفي أوج الصيف ولهيبه الذباح إستفقنا من أنصاف نومتنا على قرع في الستينات قرع عنيف على باب الزنزانة ينادي الشرطي ..... واستمر القرع متوالياً وبصخب ... سألناهم ماذا عسى أن يكون لديكم من طارئ ؟


أخبرونا بوجود مريض مغمى عليه يكاد يموت .... القرع مستمر والشرطة لاتستجيب .... كان الحل أن تقرع أبواب الزنزانات كلها بقلب واحد في المأساة, نزلت الأيدي على الأبواب تقرعها ، وبعض بالأرجل . في زنزانتنا استلم (م) عصا المشطفة وعاد للوراء ... وأقبل مسرعاً يقرع بها الباب ، حتى بان أثر وقعها في الحديد .... إنفجر العنبر بأصوات الأبواب كالمدافع ، وأصواتنا تصاحبها .... عل الشرطة يصحون من رقدة الضمير .... بعد ردح طويل من الصخب إستجاب الشرطة غير راغبين .


توجهوا للزنزانة المنكوبة .... كنا نراهم من الفتحة المتواجدة في الباب ..... فتحة تتسع للوجه لينتصب فيها ، يمكنك من الفتحة مشاهدة كل من يعبر الممر .... ومتى شاء الشرطي إغلاقها .... أقفلها من الخارج ... بهذه الفتحة تنفسنا حرفاً من حروف الحرية ، ورأينا أوجه أصحابنا حين يمرون يتزودون بالماء البارد .


بعد دخول الشرطة هدأت مدافع الأبواب عن هديرها .... هدأت زمجرة الغضب ريثما تتضح النتيجة .... بعد إنقضاء دقائق من دخولهم .... رأيت إثنين من أصحابنا يحملان جسداً مرتخياً على أكفهم ... سألتهما وهما يمران أمامي : ماذا جرى ... أجابني أحدهما وعيناه غارقتان في دمعهما كما صاحبه كذلك ، قال : لابد أن الشيخ سيموت ... ومرا من قبالة عيني خارجين والشرطة تحفهما ... إنه الشيخ علي النجاس ، قلبه يعاني من مرض عضال والحر الشديد يحيق بأطرافه ، والهواء بات غالياً لاتجده الأفواه لتتنفسه ، حتى أغمي عليه من شحه الأوكسجين .


أخرجوه خارجاً في الهواء الطلق دون إحضار الطبيب ... أخرجوه يستعيد أنفاسه الفائته ... في الهواء المكشوف تنفست رئتاه الهواء الحقيقي وبدأ القلب يستعيد توازن دقاته ... ما إن عادت لجسده الحيوية إلا وأعادوه لداخل زنزانته ليذوق طعم هوائها القاتل ثانية .... مشاهد تعود لتتكرر كل يوم أمام أعيننا ... مرضى يكيل لهم المرض بكفته أطنانا من التململ والتوجعات المنصرمة مع الريح .


ذلك الصيف كان كجهنم الأرضية .... حتى الماء البارد لايفي بالغرض .... وللتعويض عن الحر المستعر صاروا يقدمون لكل زنزانة قطعة صغيرة من الثلج .... يأتي الشرطة بصحبة آسيوي سجين ... يكسر الثلج قطعاً قطعا ، ويلقي أمام كل زنزانة حصتها .... يلقون بالثلج فوق البلاط الممتلئ ببقايا الأحذية ، بعد ذلك يفتحون الأبواب لإدخال الثلج ... كثيرا ما رفضنا معاملتهم في إلقاء الثلج على البلاط ... كنا نريد استلام الثلج بأيدينا مباشرة بدون هبوطه في مستقر الميكروبات .... لم يستجيبوا لدعوى الإنسانية ولم تنعطف أفئدتهم رقة ولا شفقة .... عجيب تفانيهم في إبراز القسوة في احتياجاتنا لكن الأعجب منه إصرارنا الثابت على نيل حقوقنا حتى ونحن في حال لايوحي بأنهم يحترمون إنسانية .


في حال انطفاء الأصواء تعود أجسادنا من فتحة الباب إلى داخل زنزانتها .... تصاحبها آيات القرآن وكثير من محفوظات الأدعية ....يامن تحل به عقد المكاره ويا من يفثأ به حد الشدائد .... إتصال لاينقطع ولا تشوش عليه إرادة المخربين ، ذبذبات قوية الإرسال .... ويبقى الظلام مهيمناً على القفص الملتهب ... وضوء صغير يتخلل الفتحة المنتصبة في وسط الباب ، تصاحبه نسمات خجولة لاتطفئ رغبة لراغب ، ولا تكفي لإغناء رئة افتقرت إلى نقاوة النسيم العليل وطراوة الطقس الجميل .


..... البقية تأتي .

التعليقات (0)

شارك بتعليقك حول هذا الموضوع

شارك هذا الموضوع