شارك هذا الموضوع

كان في السجن ياماكان (11) - صيد عشوائي

خلف ما ينصرف الشرطة محملين بالصحون الفارغة والأكواب الخالية ، يعود المسجونون إلى الإختباء بين الجدران الأربعة ... يعودون يسردون لشركاء زنزانتهم قصص طفولتهم .... وجل ما يداعب اهتماماتهم ، تغدوالألسنة يفيض من كلماتها الحنين .... تفضفض القلوب في بعضها البعض ، يتبادلون المعارف بينهم ، ويغرقون أصحابهم بسحيح من الخبرات ... حتى إذا نفذ ما في الذاكرة من مخزون ، أعادوا نفس القصص بصياغات مختلفة ولربما كانت هي هي ... يعودون لبث ذاكرتهم كشريط الكاسيت ، تعاود سماعه حين لا يصح بيدك سواه .


يحكون شواغلهم ويتحاورون طويلاً في كل شي ... في الدنيا والدين ... في السياسة والشؤون الشخصية ... يتنازعون أحيانا ، طبعاً فما داموا ينامون ويفيقون على نفس الوجوه .... أينما أداروا طرفهم ، هي نفس الوجوه ، ألفوا كل التفاصيل في وجوه أصحابهم ، ختموا ما يحبونه ومالا يحبونه ... ألفوا بعضهم ألفة الشخص بذاته ... من الطبيعي حين يصلون لهذه المرحلة أن تبدر بوادر الخلاف والنزاع .... هم بشر تترسب في ذواتهم الصفات الأرضية ، ليسوا ملائكة منزهين عما لا ينبغي .


الدنيا تقع خارج هذا الصندوق ، وأقرب طريق لها ولرؤيتها يقع في النافذة المربعة ... هناك حديث يقول النظر للبحر يذهب الغم ، إذن من النافذة المطلة على البحر أبدد الغم .... بحر هادئ ... أمواجه كبساط أسود ... النجوم تغازل مياه البحر بوميضها ، الساحل وادع لايعكر صفوه زوار .... بعض القوارب بعيدة ، تبحث عن صيد تسد به رمق الحياة ، لعل الصياد حين يلقي شباكه لا يتكهن بنوعية صيده .... قد تأتي شباكه بصيد متنوع .


كذلك شباك مختطفينا أيها الصياد جائتهم بصيد متنوع عشوائي .... جمعت شباكهم في ليلة واحدة كل ما في هذا ( العنبر ) ..... مزيج لايجمعه مسمى إلا مسمى المضطهدين ، يضم عنبرنا كما وافرا من طلبة العلم ( رجال الدين ) وعددا كبيرا من ( الرواديد ) ومجموعا لابأس به من ( الأساتذه ) وآخرون ممن هم بين هذه الفئات .... مزيج لايلتقي في معادلة واحدة ، مزيج جمعته في مكان واحد ماتسمى بـ ( القمعة الأمنية ) أو الإعتقال الإحترازي .


بلى أيها الصياد هذا قدرك وقدرنا ... الصيادون يعنونون قواربهم بمصابيح تحفظهم من القوارب المتحركة ليلاً ... البحر مزخرف بمصابيح الصيادين والسماء مزخرفة بمصابيح النجوم ، لوحتان متناظرتان تضوعان جمالا وسحر ا ... وزنازيننا بينهما تعصرنا حسرة وتصبرا .


رأيت نفسي في النافذة ، ولم تبارحني قصة ( الشيخ النجاس ) ... الشيخ كان قدره زنزانة في الستينات ، أوثقوا كفيه في ( الهفكري) كما أوثقونا ، لم يرتح الشيخ لصنيعهم ... تحايل على ( الهفكري) دعك معصميه بصابونة وجدها وأخرج كفيه من ( الهفكري) ... ألقى بالهفكري في ( السيفون ) .


كان لا بد لهم من اكتشافه طليقا بين رفاقه المقيدين ، سألوه أين ( الهفكري) ؟ نفى الشيخ أن يكونوا قيدوه بالهفكري ... جلبوا له ( هفكري ) آخر وغللوه ، هكذا وأعاد الشيخ الكرة ثانية ... وألقى بالهفكري مع رفيقيه في ( السيفون ) ، قيدوه للمرة الثالثة ... ولكون نوبة الشرطة مختلفة لم يدركوا انخداعهم ..... لكن وكما يقولون ( مو كل مرة تسلم الجرة ) بعد القيد الثالث ..... كان الشيخ متسلقا في النافذة يحاور ويتكلم براحة .... وما استفاق من غفلته إلا والباب تفتح .... أدركه الشرطي بالجرم المشهود ... جرم التطلع للحرية المسلوبة ، وجرم التحدث للزنزانة الأخرى ، ولعلهم عدوه يستمتع بالنظر للساحل البحري .


تنبه الشرطي لخلو يد الشيخ من ( الهفكري ) فإنفرجت أساريره بصيده الثمين ... أغلق الباب وذهب مسرعا وأبلغ رئيس النوبه .... جاءوا مدججين بالأهواز ... أعادوا السؤال على الشيخ ! أعاد الجواب المعتاد عليهم . أدركوا وقوعهم في الفخ ! بدأ الإستنفار .... نقبوا الزنزانة عن بكرة أبيها ، وانتهى بهم التنقيب عن ثلاثة ( هفكريات ) ملقاة في باطن ( السيفون ) . كان العقاب أن وضعوا طرفا من الهفكري في رجل السرير ، والآخر في كف الشيخ . جزاءا لتجاهله كل رعبهم .


حجر ياما ضمت أجسادا مهشمة الأعضاء ... يعبر المعتقلون الحجر نفسها ويتبادلون الآهات نفسها ، يتوارثون الآلام .... يحفرون بما أوتوا من وسائل أسمائهم في ظهر الجدار .... يحفرون أسمائهم لتكون سلوة للتالين ... ليقرأها اللاحقون مجلجلة بالعنفوان ، وتنتعش في دمائهم زهرة الصمود ... وتطل من لحظات عيونهم أشعة الإباء الحسيني .


زنزانات تهجدت في أسحارها أحباب الله ، وتشوقت آباء لنظرة يتيمة من أبنائها ... آباء وأبناء عاشوا فيها حقيقة الحرمان ... أجساد قريبة من بعض ، تفصلهم جدران قاسية ... أب في الستين من عمره حنت المعيشة ظهره والأبن في زنزانة قصية عن والده ... يتخاطبان عبر فتحة الهواء ، يصل الصوت ضعيفا من صفائح (الدك) الإبن ينتابه القلق على شيبة أبيه . الأب الملاحق بتبعة الأمراض ، يتبادلان الوصايا ولا يسعهما أن يملأن حضنيهما من بعضهما البعض ... ألا تذوب الجدران من هول ما تسمع فيها ؟ ... ألا تتصدع تأسفا لما يطرقها من حرارة الحدث ؟ .. ألا تضج بالويل والثبور ؟


لو اتسع الإحصاء لأمكننا أن نرى أكثر من أب في ذلك ( العنبر ) يسمع صوت إبنه ولا يراه ..... البقية تأتي .

التعليقات (0)

شارك بتعليقك حول هذا الموضوع

شارك هذا الموضوع