شارك هذا الموضوع

الحج رحلة السمو الروحي إلى الله

رسم الله سبحانه وتعالى المعالم التي يجب على الانسان أن يسلكها في رحلة السير إليه، فجعل الحج شعيرة من الشعائر التي تسمو بالإنسان وتجعله يتعالى في عملية تطهير للقلب من الأدران وتنقية للنفس من الآثام، فتخرجها من الذنوب، وتعيد الحاج المحتسب به "كيوم ولدته أمه تقياً نقياً، وبراً رضياً كما أخبر بذلك الصادق الأمين، ما يجعله يعيش نشوة روحية تسبح فيها الروح في عالم الذكريات وتجول في آفاق الرسالات، منذ عهد إبراهيم وإسماعيل(ع) إلى عهد النبي(ص) الذي قذف الله به الحق على الباطل فدمغه فإذا هو زاهق وأيده بالآيات ونصره بالخوارق والمعجزات، التي استطاع معها أن يقلب الموازين، ويغير الكثير من المعادلات. وقد جاء في نداء ابراهيم(ع) [ربنا تقبل منّا إنك أنت السميع العليم* ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم* ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم] (البقرة: 127-129).


ولعل هذا الامتداد الرسالي يدفع بالإنسان، إلى أن تتجرد نفسه من العوائق المادية، منقطعاً كلية لعبادة الله وفي طاعته، وخصوصاً في هذا الموقع، ما بين طواف البيت العتيق وصدقة على البائس الفقير، وذكر الله بقلب مقبل متفرغ للعبادة.


ولعل ما يزيد في روعة الحج وعمق معانيه ما ترسمه الحواس من ثقافة التجربة والواقع، حيث تكتنـز من عمق التجربة ثقافة وأدباً وتهذيباً في رحلةٍ أمر الله بها وكتبها على الناس فريضة تساوي بين الغني والفقير وترفع الفوارق بين بني البشر، وترشد الغافلين إلى مواقع الصواب.كذلك فإن تجربة الحاج تغتني من خلال تحركاته وتنقلاته في مختلف البلدان والتي تتمايز بعاداتها وتقاليدها وموروثاتها ما يجعله يحس بالغربة والبعد عن الأهل والأوطان، وهي رحلة ربما يستذكر من خلالها الحياة الآخرة أو عالم ما بعد الموت في رحلته الحتمية.


ولكي تكون هذه الرحلة مباركة ومجدية، نهى الله سبحانه وتعالى الإنسان عن جملة أمور في الحج ذكرها في الآية الكريمة [الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج، وما تفعلوا من خير يعلمه الله وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقونِ يا أولى الألباب](سورة البقرة: 197).


وفي هذا إشارة إلى الإنصراف عن بعض الممارسات التي كانت تمارس في الجاهلية، حيث كان الحج عندهم بمثابة مهرجان قومي بدلاً من أن يكون عبادة لله الواحد، ولذا أمر سبحانه بالإقلاع عن الإنشغال بالأمور الشهوانية، وعدم معصية الله، وإيقاع الخصومة بين الناس، وذلك في إطار علاقة مثلثة الأبعاد، وتتناول علاقة الانسان بنفسه، وعلاقته بالله عز وجل، وعلاقته ببني جنسه.


وهذه الأشياء ممنوعة في الأحوال العادية، إلاّ أنها محرمة بصورة خاصة خلال الحج، باعتبار أن فرص الوقوع في هذه المحرمات متوافرة أكثر خلال السفر واجتماع الناس. ولذلك حري بنا الابتعاد عن هذه الخصال، والالتزام بالتقوى باعتبارها المعيار الذي يتحدد على ضوئها الإنسان المؤمن، لأن من يملك ناصية التقوى ويتمتع بكيفياتها، فإنه من المستحيل أن يقع في المعاصي. ولمزيد من الحيطة، ولجعل الحج يصل إلى أقصى غاياته وأهدافه، فقد دعي الإنسان إلى إيجاد حصانة من ذاته تمكنه الوقوف في وجه المغريات الدينوية، فكانت رحلة الحج التي تعتبر انقطاعاً له عن بيئته الدنيوية، ودعوة إلى سبر الذاكرة التاريخية التي تتسم برمزيتين أساسيتين هما الكعبة وما يحيط بها من قدسية، وأثار النعم الإلهية على العباد الصالحين، وما يضفيه جوها من رمزية على حياة آخر الأنبياء(ص).


وقد حذر الله سبحانه وتعال منى أن يطلق الحاج كلمات يتأذى منها الناس، فلا يجرح عواطفهم جاعلاً من الحج مناسبة خاصة لتربية المسلمين على مراعاة الحذر في الكلام، وأن يجتنب العنف الذي يتمثل في جعل اصطياد الطيور وحيوانات البر محرمة بعد الإحرام، بل وحرّم عليه نتف ريش الطيور أومساعدة الآخرين في الصيد أو إعطاء السكين لذبح حيوان يصطاده أو ما إلى ذلك، وكل ما له هو أن ينحر الأضاحي، أو أن يقتل حيواناً مؤذياً كالأفعى.


وإذا كان سبحانه قد أوصى باجتناب العنف على الحيوان، فكيف بالإنسان، حيث يجب أن يعيش الأمن والسلام في الكعبة، وقد أوصى الإنسان بإنكار الذات والإقلاع عن استخدام أشياء الزينة واللذة المادية حتى في الأشياء الظاهرية التي تبدأ منذ الخطوة الأولى حيث يبدأ عمل الحاج بالإحرام، باللباس البسيط الذي يجب على كل حاج أو معتمر أن يلبسه على حدود الحرم.


وهذه أولى الخطوات الرمزية التي يؤكد الله تعالى بواسطتها على كل عباده بأن كل البشر سواسية، وأن الأشياء الظاهرية التي يفاخر بها الناس ما هي إلا أمور زائلة وباطلة عند الله، ما يجعل الإحرام جزءاً من حركة التساوي التي يدعو إليها سبحانه وتعالى.

التعليقات (0)

شارك بتعليقك حول هذا الموضوع

شارك هذا الموضوع