شارك هذا الموضوع

قراءة في قضية آغا جري

تفاعلت قضية الدكتور هاشم أغا جري عضو الشورى المركزية بمنظمة " مجاهدين إنقلاب إسلامي " التي يتزعمها محمد سلامتي والتي هي أيضاً واحدة ضمن إئتلاف جبهة الثاني من خرداد الذي يضم أكثر من ستة عشر تيار " إصلاحي " تفاعلت بشكل لافت وذلك عندما أصدرت الشعبة 14 بمحكمة هَمَدَان الإبتدائية برئاسة القاضي رمضاني حكمها ضد آغا جري بالإعدام والنفي لمدة 8 سنوات وحرمانه من التدريس لعشر سنوات، الأمر الذي حدا بأكثر من شخصية رسمية في الدولة لأن تدلي برأيها في الموضوع بشكل متباين يعكس بشكل جلي حجم التأثيرات الماضوية والحزبية والاستحقاقية للتيارات السياسية :


فرئيس البرلمان آية الله مهدي كروبي وصف الحكم بأنه " عار " .


وآية الله محمد تقي مصباح اليزدي عضو مجلس الخبراء وأحد كبار الفقهاء في الحوزة العلمية قال بأن الحكم " مطابق لحكم الله ونص القرآن ونص الحديث النبوي المتواتر"  .


أما محمد رضا خاتمي النائب الثاني لرئيس البرلمان وأحد غلاة الإصلاحيين فقال بأن الحكم " هدفه الإنتقام " .


فيما قال بادمجيان رئيس مركز الدراسات السياسية لجمعية المؤتلفة الإسلامية الداعم الرئيسي لتيار المحافظين بأن " على آغا جري أن يعتذر من الشعب " وأنه " أساء إلى أئمة الشيعة " كما علّق على الحكم أحمد توكلي مرشح الرئاسة السابق وأستاذ العلوم الإقتصادية في جامعة الشهيد بهشتي بأن " الخطأ في إصدار الحكم أضرَّ بالإسلام وبالثورة " .


فيما أيَّدَ الحكم البرفسور محمد جواد لاريجاني مستشار السلطة القضائية للشؤون الدولية .


إلاّ أنه وبعيداً عن تلك التصريحات وردود الأفعال يمكن للمتتبع لقضية آغا جري منذ بداياتها وإلى الآن أن يلحظ عدة أمور :


أولاً أنها تأتي ضمن سياقات المنافسة السياسية والفكرية المستعرة بين اليمين المحافظ واليسار الراديكالي والتي ترجع جذورها إلى منتصف عام 1986 عندما بدأ الانشقاق في جمعية علماء الدين المناضلين (روحانيت مبارز) وخروج تيار آخر من رحمها اتّسَم بالراديكالية المفرطة في بداية نشأته وأطلِق عليه إسم مجمع علماء الدين المجاهدين (روحانيون مبارز)  وكانت حالة الاستقطاب الثنائي بينهما قد شقت طريقها إلى فضاءات كيفية إدارة الحكم الإقتصادية والسياسية والفكرية والفقهية أيضاً حتى تبلورت على ما هي عليه الآن .


ثانياً : أن خطاب هاشم آغا جري احتوى على أفكار شديدة الخطورة بالنسبة لفئات معينة متنفذة في المجتمع والحكم فهو أولاً يدعو إلى بروتستانتية إسلامية ضد رجال الدين على غرار ما فعل مارتن لوثر عندما بدأ حركته التصحيحية ضد رجال الكنيسة، وبالتالي فإن هذه الدعوة تهدد موقعية ومكانة رجل الدين في إيران الذي ارتبط دائماً بوجدان روحي مقدس لدى الإيرانيين، بالإضافة إلى أن رجال الدين يمسكون الآن بمقاليد الحكم في نظام الجمهورية الإسلامية لذا فإن أي تهديد لهم يهدد الأركان المفصلية لشكل الحكم .


ثالثاً : يتبين من كل ذلك مدى حساسية الدين ومكانته في الدولة والمجتمع الإيراني والنُخب السياسية وبالتالي فإن أي مُراهنة على تيارات أو فئات سياسية توصف على أنها علمانية قد تخدم الولايات المتحدة الأمريكية كما كانت تقول على الدوام هو أمر غير وارد في ظل تجارب ومعطيات حقيقية على الأرض، فقبل أيام التجأت عائلة آغا جري نفسة (والدته وشقيقه وشقيقته) إلى حفيد الإمام الخميني السيد حسن أحمد الخميني وزارته في بيته بطهران (لما يمثله من ثقل روحي وديني مهم لدى الإيرانيين نسبة لجده) وشرحت له بأن إبنها رجل محب للإسلام والثورة ومتمسك بمبادئ مؤسس الجمهورية الإسلامية وكان في خدمة الثورة على الدوام وجرح في الحرب المفروضة مع العراق، كما أن آغا جري نفسه طلب في رسالة وجهها من سجنه إلى هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانيين قال فيها " أنه مستعد لمناظرة تلفزيونية مع أي شخص تختاره الإذاعة كالشيخ المشكيني أو الشيخ مصباح اليزدي أو أي شخص آخر " لكي يشرح وجهة نظره، وأن ما قاله هو فقط ترديد لما صرّحَ به من قبل آية الله بروجردي وآية الله كاظميني والدكتور علي شريعتي، كما أن أنصار آغا جري أصدروا بياناً ذكروا فيه بأن سبعة من مراجع الدين الكبار في مدينة قم المقدسة قد عارضوا الحكم بالإعدام إلى أن تبيّن أن ذلك البيان مكذوب حيث لم يصدر عن أؤلئك المراجع أي تعليق بعد مراجعة مكاتبهم بل زادوا بأن ليس لهم من يتحدث باسمهم وأن أي قرار حول الحكم يجب أن يتخذ عبر المراحل القانونية .


المهم من كل ذلك هو ما يمثله الدين الذي يشكل التكوين الثقافي والعقيدي لدى الإيرانيين، وهو نفسه الذي استغله الإمام الخميني لإشعال ثورته ضد نظام الشاه ومن توظيف رهيب للثقافة الدينية المفعمة بالرموز والدلالات في إلهاب مشاعر الجماهير وتجيشها ضد استبداد السلطة . 


رابعاً : أوضحت هذه القضية شكل الحكم الموجود وكيف يستطيع الخروج من مآزقه بقوة وبمنافذ دستورية كانت دائماً محل هجوم من الكثير وأعني بذلك مبدأ ولاية الفقيه، والتي من خلالها يمكن العودة إلى علاقة الثابت بالمتغير أو الشريعة بالواقع وهي التي تستهدفها التحديات المعاصرة من منطلقات شتى، تبعا لهيمنة النموذج الغربي تارة أو ارتباطاً بمحاولات التجديد والتحديث التي ينشدها مثقفو العالم الإسلامي تارة أخرى، يمسي دور الولي الفقيه جوهريا ومركزيا، في ضبط التجاذبات الحادة التي تولدها نزعات الجمود أو التجديد، التأصيل والتحديث، ذلك أن هذه العمليات الاجتماعية المعرفية، التي تعيشها الأمة على صورة حراك حيوي ومتوتر، ليس من الصحيح اختزالها في مغامرة فكرية خالصة، أو صراع سياسي مباشر لأنها حالة تاريخية متعددة الأبعاد، تغدو مصلحة الأمة احد أهم أبعادها وأكثرها حضوراً،  من هنا تتبين ضرورة الإنشداد والركون إلى موقع الولاية بوصفه الوازن لتقاطب المفاهيم والمصالح.


 


ويبدو هذا طبيعيا ويندرج في صميم دور الولي الفقيه، لا سيما إذا استحضرنا رؤية الإمام الخميني في تحديد شروط الحاكم ووظائف الحكومة الإسلامية حيث أن شَرطَي العلم والعدالة اللذين يجب أن يتوفرا في الولي الفقيه، يحيلان كفاية الولي إلى كفاية ذاتية والضوابط إلى ضوابط داخلية، على عكس اتجاهات السلطة المعاصرة التي ترتكز على كفايات وضوابط خارجية، وعندما يحدد الإمام الخميني في كتابه الحكومة الإسلامية " أن الأئمة والفقهاء العدول مكلفون بالاستفادة من النظام والتشكيلات الحكومية من اجل تنفيذ الأحكام الإلهية، وإقامة النظام الإسلامي العادل، والقيام بخدمة الناس "  وحيث أن تنفيذ الأحكام الإلهية والعدل يتماثلان ويندرجان في دائرة واحدة، فإن ذلك يعني أن تنفيذ الأحكام الإلهية وخدمة الناس يشكلان قاعدة ممارسة السلطة في فكر الإمام الخميني، وهذا هو أحد المرتكزات التي يتأسس عليها تجديد الإمام الخميني في الفكر السياسي الإسلامي، حيث أن إعلاء قيمة خدمة الناس ووضعها إلى جانب تنفيذ الأحكام يشكل الإجابة الخمينية على إحدى الإشكاليات المطروحة على الدوام في علم السياسة وعلم الاجتماع، وهو ما أوجد مبدأ فلسفي أصيل نابع من قِيَم المجتمع تستمد منه السلطة مبررات تأسيسها واستمراريتها .


كما أوضحت قضية آغا جري حالة الحراك السياسي المفتوح بين مراكز القوى والأحزاب بتمثيلها الشعبي ومدى قدرتها على التوازن والتكيف في ظل المعادلة الموجودة .


خامساً : بيّنت قضية آغا جري حجم التأثير الذي يملكه الطلبة الجامعيون وطبقة الإنتلجنسيا (بل الإيرانيون بصور عامة) في تأثيرهم على قضايا السلطات الثلاث وشمولية المشاركة في صياغة القرار السياسي وتنفيذه والمساهمة في بناء نهج واضح للمستقبل، فمنذ أن بدأت القضية الأخيرة بدأ الطلاب في تجمهر واسع وبنفس طويل للمطالبة بإلغاء الحكم رغم ما صاحب ذلك من تجاوزات قام بها بعض المحسوبين على تكتل " دفتر تحكيم وحدت " الطلابي اليساري .


لقد كانت الحركة الطلابية على الدوام محل تأثير قوي على مسارات السياسة الداخلية، ففي شهر July من العام 1999 اشتبك الطلبة الجامعيون مع قوات الشرطة حيث أحرقوا سيارات قوى الأمن ورشقوا وحدات مكافحة الشغب بالحجارة بعيد إغلاق صحيفة " سلام " اليسارية الراديكالية وتقديم رئيس تحريرها محمد موسوي خوئينيها إلى المحاكمة وما أعقبها من هجوم أمني على سكن الطلبة بالمدينة الجامعية بطهران وكان ذلك نذير بتطور الأوضاع أكثر مما حدا بمرشد الجمهورية الإسلامية آية الله السيد علي خامنئي لأن يجتمع بالطلبة ويؤدي الصلاة بهم جماعة ويقيم لهم مأدبة عشاء في مقره الرئيسي، وبحضورهم " شجب الهجوم الوحشي " وخاطب ميليشيا الباسيج (قوات التعبئة الشعبية) قائلاً  " حتى لو مزقوا صوري أو أهانوني عليكم السكوت وعدم الرد والتحمّل وأنا شخصياً أعفوا عن كل من يتعرض لي " وطالب بمعاقبة الذين ارتكبوا حادثة اقتحام سكن الطلبة " أياً كانوا وتحت أي لباس ارتكبوا الجريمة " ، وأقيل قائد شرطة طهران الجنرال فرهاد نزاري واعتُبِرَ مذنباً وحُمِّلَ مسؤولية اقتحام عناصر من الشرطة مساكن الطلاب في جامعة طهران، وأوصت لجنة التحقيق التي شكلها مجلس الأمن القومي بمحاكمة سبعة من قادة الوحدات الخاصة في الشرطة وعدد من المتشددين، كما أن الحكومة دأبت على الدوام للإهتمام بيوم الطالب الذي يصادف السابع من شهر ديسمبر من كل عام وقد أُقِرَّ هذا اليوم إثر مقتل ثلاثة من الطلاب الإيرانيين على يد القوات الشاهنشاهية في العام 1953 والذين كانوا يتظاهرون احتجاجاً على زيارة نائب الرئيس الأمريكي .


وكان هذا التعامل الإيجابي من قمة الهرم السياسي في السلطة تجاه الطلبة يمثل اعتراف مهم بحجمهم وقوة فِعْلِهِم في الحياة السياسية، وإلى جانب ذلك التعاطي السليم من قِبَل الحكم استمرت السلطة والأحزاب دائماً في توجيه الطلبة بأن يكونوا حذرين في تحركهم، خصوصاً في ظل سلوكيات غريبة تم رصدها في أكثر من حركة احتجاج طلابية، ففي حركتهم الأخيرة ضد الحكم الصادر بحق آغا جري تبين أن أحد المسئولين في جبهة المشاركة الإسلامية (إصلاحي متطرف) يعمل في وزارة العلوم وأحد مسئولي الحي الجامعي قد رتّب لأن يُقَدَّم طعام رديئ فاسد للطلبة في مطاعم الجامعة وأوعز إلى أفرادٍ جنَّدَهم مسبقاً بأن يقوموا بإعطاب نظام التدفئة في الفصول لكي يتأجج الوضع أكثر فأكثر، وكانت دعوات الرئيس خاتمي والمرشد الأعلى على الدوام تحذر الطلبة من " المتسللين والذين يخترقون صفوف الطلبة والشعب بهدف الإساءة إليهم والإنتقام من الثورة " وقد نقلت عقيلة آغا جري السيدة زهراء بهنودي عن زوجها رسالة إلى الطلاب قال فيها " على الطلبة أن يطرحوا مطالبهم عبر القانون، وأن يتجنبوا خلق أجواء مضطربة لأن هناك ثمة أشخاص يسعون إلى جر الحركات الطلابية في البلاد صوب الأضطرابات، وعلى الطلبة أن لا يسمحوا باستغلالهم من قِبَل الآخرين " كما دعا أكثر من 160نائباً في بيانٍ أصدروه الطلبة إلى ذلك أيضاً .


والأغرب في قضية آغا جري هو دخول عدة أطراف دولية في الموضوع كالإتحاد الأوروبي وعدد من المراكز الإعلامية الأمريكية، إلاّ أن أبزها هو تصريحات سلمان رشدي مؤلف كتاب " الآيات الشيطانية " حين قال في تصريحٍ له من لندن بأن قضية آغا جري تعتبر آيات شيطانية جديدة، وكانت ردت الفعل الفورية والمباشرة من قِبَل مجاهدين إنقلاب إسلامي الذي ينتمي إليه هاشم آغا جري قوياً في الرد عليه ففي بيان أصدروه قبل أيام أكدوا فيه أن تصريحات رشدي " تهدف إلى إثارة المتطرفين والنفخ في نيران الفتن " وأضاف البيان " أن سلمان رشدي شبّه الحكم الذي أصدره الإمام الخميني (رض) ضده بالحكم الصادر بحق هاشم آغا جري " وقال البيان " رغم أن الهدف من تصريحات سلمان رشدي واضح للواعين إلاّ أن هذه  التصريحات تعد إنمودجاً ملائماً لتفهم الكثير عن عوامل المشاحنات الداخلية التي حدثت خلال الأعوام الماضية في البلاد ومن المحتمل أن يكون الأعداء ضالعين في إثارة مثل هذه النزاعات الداخلية "


في نهاية الحديث يتضح للمتابع للشأن الإيراني عن قرب أن قضية آغا جري ليست قضية محاكمة يجلس فيها قاضٍ ومتهم ومدعي عام ومحامي فقط بل إن امتداداتها ودلالاتها أوسع بكثير وكذا باقي القضايا الأخرى .

التعليقات (0)

شارك بتعليقك حول هذا الموضوع

شارك هذا الموضوع