شارك هذا الموضوع

ضرب أمريكا لحزب الله (لبنان) - رسالة أمريكية (معسكرة) لإيران

جائت تصريحات نائب وزير الدفاع الأمريكي ريتشارد آرميتاج مؤخراً ضد حزب الله (لبنان) كناقوس بلا ملامِح واضحة، رغم أنه جاء ضمن سياقات الحرب الأمريكية المستمرة ضد الإرهاب (حسب التفسير الأمريكي) في العالم، كما أنها تأتي مختلفة عن سابقتها من تصريحات لمسؤولين في الإدارة الأمريكية والتي كانت تصدر بضميمة واضحة لقضية الصراع العربي الصهيوني في المنطقة، بالرغم من أن تصريحات آرميتاج الأخيرة لا يمكن فصلها عن مجمل الضغوط التي كانت ولا زالت تُمارس ضد لبنان وسوريا وإيران لكبح جماح حزب الله وعسكريته النشِطَة ضد الكيان الصهيوني؛ إلاّ أنها تحمل بُعداً أكبر وأوسع مما كان في السابق .



آرميتاج قال بأن " بيننا وبين حزب الله دم " ويجب تصفية تلك الحسابات، والدم الذي يعنيه نائب الوزير هو ما كان من تفجير السفارة الأمريكية في بيروت في نسيان إبريل 1983 ونسف ثكنات جنود البحرية الفرنسية والأمريكية في تشرين أول من ذلك العام ونسف مقر المارينز، وانتهاءاً بموجة اختطاف الرهائن التي بدأت في العام 1984 إبان الحرب الأهلية بلبنان في ثمانينات القرن الماضي والذي يُتهم حزب الله بأنه كان وراء تلك الأعمال، والموضوع في اعتقادي أولاً وأخيراً مرتبط بإيران كدولة ضمن مجموعة من الدول الإقليمية الرافضة لسياسات الولايات المتحدة في المنطقة، فبعد إخفاق الأمريكان في حشد تأييد دولي واسع لضرب العراق، بدأت المؤشرات تتجه نحو محور الشر الثاني كما سماه الرئيس بوش نهاية العام الماضي، خصوصاً وأن فتح المواجهة مع إيران مناسبة لإحداث جبهة جديدة في المنطقة تلبي الغرض من إشغالها وإرباكها والمنطقة عموماً لا سيما وأنه بات من المؤكد للأمريكان والصهاينة بأن ترك الإيرانيين هكذا في التوسع العسكري والتقني وتجسير العلاقات الخارجية وإقامة تحالفات متماسكة مع دول لا تتماهى والسياسة الأمريكية الخارجية وإطلاق يد الكي!



ان الصهيوني في المعادلة الشرق أوسطية من شأنه أن يهدد مصالحهم الإستراتيجة في المنطقة على المدى البعيد وبالتالي فإن تقليم أظافر البعبع الإيراني بات هو الحل الأنجع بالنسبة لهم رغم الخسائر المُتوقعة التي قد يتكبدونها نتيجة ذلك الخيار، وهذه نظرة الجنرال أنتوني زيني قائد القوات المشتركة السابق في الخليج، لذا فإن الأمريكيون يدركون بأن حزب الله يمثل الآيدلوجية الثورية الإسلامية الإيرانية في أوجها وتمثل هذه الإيدولوجية الإطار المرجعي للحزب، كما أن إيران تمثل الدعم المادي الرئيسي له، وبالتالي فإن الدخول لإيران عن طريق حزب الله ممكن وبامتياز، وقد بدأت خيوط المعركة تُحاك منذ فترة من قبل الولايات المتحدة والكيان الغاصب وبدأت حملة التحريض ضد الحزب وإلحاقه بخطر تنظيم القاعدة، فقد صرح وزير الدفاع الصهيوني بنيامبن بن إليعازر بأن " تنظيم القاعدة بدأ يغلغل في صفوف حزب الله في لبنان وإذا كانوا سيعملون معاً فإن ذلك ليس من مصلحة العالم الحر " كما قال أحد العسكريين الصهاينة بأن " التهديد الإيراني لإسرائي ليس بجديد وأن حكام طهران يدرسون الموضوع منذ عشرة أعوام " ووصف العلاقة بين إيران وحزب الله " بأنه!
ا تهديد إستراتيجي لإسرائيل " وأنه "أوعز إلى الجيش والدوائر الأمنية الأخرى بوضع تلك العلاقة في صدارة أهداف المخابرات"  الصهيونية .



  كانت المحاولات الأمريكية الصهيونية تتحدد أولاً ومع بداية الحرب على الإرهاب في أن تقدم إيران (وقبل أن تُضرب عسكرياً) معلومات استخباراتية عن أكثر من جهة غير أفغانستان تعتبرها الولايات المتحدة أهدافاً مهمّة في حملتها ضد الإرهاب .
إيران ولبنان :



فالولايات المتحدة تدرك أن إيران ومنذ انتصار الثورة الإسلامية فيها في فبراير شباط 1979م ومن خلال رصيدها الثوري وجاذبيتها الإسلامية وبقياداتها الدينية الكاريزمية استطاعت النفوذ في الكثير من البقع الجغرافية والتنظيمات الإسلامية، كما أن وجود مكتب دعم حركات التحرر في قوات حرس الثورة الإسلامية ( الباسدران ) – منذ عام 1982 حتى 1986 قبل أن يُحَل بأمر من الإمام الخميني – قد وفّرَ لإيران كمّاً نوعياً من المعلومات الدقيقة عن مفاصل تلك الحركات ومخابئها وفضاءاتها السرية وخصوصاً في لبنان .



فمنذ الغزو الإسرائيلي للبنان في عام 1982 بدأ النفوذ الإيراني في التغلغل إلى لبنان على المستوى العسكري والسياسي والاستخباراتي والثقافي، وبالتحديد في سهل البقاع، القاعدة الشيعية الكبرى في العالم بعد العراق، حيث دخل - عن طريق سوريا (الحليف الاستراتيجي لإيران في منطقة الهلال الخصيب) - أكثر من 2000 عنصر من لواء محمد رسول الله وهي نُخبة النخبة في قوات الحرس الثوري المدرّبة تدريباً عالياً بعنوان مساعدة الجنوبيين في التصدي للغزو الإسرائيلي، وبدأت التنظيمات اللبنانية الإسلامية الراديكالية تتماهى مع الأنموذج الإيراني وتُسلّم له بالكامل حتى أصبحت بمثابة الظل والصدى الأمين للسياسة الخارجية الإيرانية في لبنان؛ تَمَظَهَر ذلك بالخصوص في حزب الله لبنان الذي أسس برعاية شخصية من الإمام الخميني وبُنِي بناءً مُحكَماً على أيدي رجالات التيار المتشدد في أجنحة النظام الإسلامي في إيران المتمثل آنذاك في جماعة روحانيون مبارز، كما انسحب الأمر كذلك على تنظيمات سرية أخرى .



إن النظر بإمعان في التخطيط الأمريكي الصهيوني ضد إيران وحزي الله يُخرِجُنا باستحقاق ونتيجة أكيدة وهي أن الولايات المتحدة الأمريكية عازمة وبكل قوة في توسيع دائرة حربها ضد ما يسمى بالإرهاب - بالتفسير الأمريكي - وخصوصاً ضد النَفَس الإسلامي القوي في إيران (نموذجية الدولة والتشكيلات الأهلية) ولبنان (المتمثل في قيادات وتشكيلات حزب الله التنظيمية ومشروعه المدني) ، خصوصاً بعدما أعادت تجربة (أدائية الجمهورية الإسلامية) و(الحزب) الأمل للكثير من التنظيمات الإسلامية وحتى غير الإسلامية ممن رَكَنَت إلى الظل بعد أن انتابها اليأس السياسي والعسكري .
لذا فإن الولايات المتحدة تريد أن تفتح تلك الملفات عن طريق المخابرات الإيرانية التي كانت ناشطة في أتون تلك الأحداث ، كما أن أمريكا تعرف أنها عندما أرادت أن تُغلِق ملف الرهائن في العام 1990 لم تستطع إلاّ بتدخل إيراني مباشر، كما أن الولايات المتحدة تخشى من تلك التنظيمات التي باغتتها بأعمال عِدائية مُوجِعَة ثم توارت عن الأنظار وكأنها أشباح الليل من غير أن تُكتَشف خيوطها المعقدة لحد الآن قد يأتي وقت تخرج فيه على السطح من جديد، خصوصاً أن ذلك الأمر وارد في حال تعرضت إيران لهجوم أمريكي أو إسرائيلي في المستقبل .



هل الحرب الأمريكية الإيرانية قادمة :


واستمرت سياسة الترهيب الأمريكية لثني الحكومة الإيرانية عن سياساتها المتباينة مع الولايات المتحدة في الكثير من الملفات الساخنة والحيوية؛ بدءًا بعملة السلام في الشرق الأوسط ودعم إيران للحركات التحررية الفلسطينية واللبنانية التي تعتبرها الولايات المتحدة حركات إرهابية وانتهاءً بترتيب الأوضاع السياسية والأمنية والاقتصادية في أفغانستان .



وهنا ربما لا أتجاوز إذا قلت بأن الولايات المتحدة ستكون مصابة في رشدها إن هي أقدمت على ضرب إيران ذلك أنها ومثلما تحاول إقناع نفسها بأنها الآن في القمة وحدها بعد  انزلاق  الاتحاد السوفيتي منها، وأنها الآن غير أمريكا التي أذاقها مربوعي القامة الفيتناميون ويلات الحرب وغزارة الدم وطول النحيب، وغير أمريكا التي قَضّت مضاجعها الجماعات اللبنانية الراديكالية في عقد الثمانينيات بتفجيرات مُرعِبة حَدَتْ بالرئيس الأمريكي السابق رونالد ريجان لأن يسحب قواته عاجلاً بتفويض من الكونغرس قائلاً بأن هذه الجماعات " تطلب الموت كما يطلب الأمريكيون الحياة " إلاّ أن الولايات المتحدة يجب أن تعي بأن إيران هي أيضاً ليست كالسابق، فإيران ذلك البلد الواقع على سفوح القارة الآسيوية بدا وكأنه مارد تعافى من جروح الماضي .



إن المُراقِب الجاد للوضع الإيراني بعد مرور عقدين ونيف على الثورة الإسلامية يقف على ملفات اقتصادية وسياسية وعسكرية مذهلة لهذا البلد الذي كان يُوسَم حكامه استهزاءً حتى الوقت القريب  بـ "الملالي" !!، كما أن العمل بإرادة خرافية على إنجاز تلك الملفات بامتياز يُنبأ بأن ساسة إيران هم على عكس ما كانت تستنتجه وتروج له الدراسات الإستخباراتية الغربية ونتائجها الحتمية المُحَصّلَة سلفاً بأنهم أناس تربوا على حصير حلقات الدروس الدينية، وامتهنوا الخنوع والجمود العقلي، وبالتالي هم غرباء بأعلى منسوب عن الحراك السياسي وفن إدارة الأزمات، وإن ما تحتاجه السياسة الخمينية الدينية والأطر الفلسفية للوعاء المنظومي لكيان الدولة الجديد لكي تبور سوى بعضاً من الوقت، وأمام كل ذلك فإن أي تحرك عسكري أحمق تنوي الولايات المتحدة القيام به ضد هذا البلد يجب أن يعي الأمور التالية : 


(1) أن إيران بنت ترسانتها العسكرية التقليدية وغير التقليدية بإِحكام مستعينة في ذلك بعقول علماء سوفيت التقطتهم بعد أن سأِموا حياة الهامش والفاقة، علماً بأن تلك العقول كانت ولوقت ليس ببعيد تنتج أعتى أسلحة إمبراطورية الشر – كما سمّاها ريجان -  وقد قامت إيران فيما بعد بشراء التكنولوجية السوفيتية الوافدة وفرّختها في عقول الإيرانيين لتكون في مأمن من أي طارئ، وبالتالي فإن الآلة العسكرية الإيرانية ليست آلة عادية يمكن التعامل معها بحرب محدودة وبأقل الخسائر، فالدراسات تشير إلى أن إيران بدأت –وبأيدي وطنية مُستَنسَخَة- في تصنيع :
 مقاتلات إف 4 وإف 5 وإف 7 والطوافة شاباوز 2-75 التي يبلغ مدى اكتفائها 500 كيلومتر ويمكن أن تحلق على ارتفاع 12600 قدم (3800 متر )
 كما أنها بدأت في تصنيع الصواريخ المتطورة شهاب 3 متوسط المدى ( 1300 كم ) والذي يعمل على الوقود الصلب، وشهاب 4 الذي يصل مداه إلى 3000 كم، كما تعتزم حالياً القيام بتطوير الصاروخ الكوري الشمالي " تايبو دونغ 1 " ليصل مداه إلى 5000 كم ويدخل الخدمة في سنة 2005 – 2006م، بالإضافة إلى منظومة صواريخ زلزال "1" و"2" و"3" المتطورة وكذلك صاروخ صيّاد "1" المضاد للطائرات الذي تمّ اختباره في مناورات الحرس الثوري بجنوب طهران في العام 1999م .



كما أن إيران تزودت حتى الثمالة من مقاتلات مينج 29 وسوخوي 27 ودبابـــات ت 80 وأنظمة دفاع جوي صاروخي مضاد للطائرات .



علماً بأن الاستجداء الأمريكي لروسيا بوقف تعاونها العسكري مع إيران وإيقاف العمل في محطة بوشهر النووية لم يلق أي آذان صاغية في الكرملين الذي أكد بأن تعاونه العسكري ذلك ينسجم بشكل كامل مع التعهدات الدولية لكل من موسكو وطهران، بل زاد على ذلك بعد زيارة وزير الطاقة النووية الروسي يفغيني اداموف أن تمّ التوقيع على اتفاقية التسريع في عملية بناء المحطة المذكورة، وإجراء دراسات حول بناء محطات جديدة في إيران تتبلغ قيمتها الإجمالية 780 مليون دولار، تلاه الإتفاق الأخير نهاية العام 2001 والتي تبلغ قيمته الـ 1200 مليون دولار .



بالإضافة إلى أن الطريقة المُعقدة ( والمُغَذَّية عقائدياً) في بناء الجندي الإيراني يجعل منه ذراعاً مُرهِقة في الحرب، يستطيع ممارسة كل أنواع القتال القاسي بدءًا من الخطط العسكرية التقليدية المعروفة وانتهاءً بالعمليات الانتحارية الإستشهادية، وكان قول الرئيس العراقي للسفيرة الأمريكية في بغداد ابريل جلاسبي قبيل بدء عملية عاصفة الصحراء بأن " الإيرانيين لو اندلعوا في المنطقة لما استطاعت الجيوش الأمريكية أن تصدهم وتوقفهم إلاّ باستخدام القنابل النووية " دالاً على ذلك، وتتمثل تلك بالخصوص في قوات حرس الثورة الإسلامية (الباسداران) والذي يبلغ تعداد منتسبيه المليون ونصف المليون جندي، بالإضافة إلى قوات التعبئة الشعبية (البسيج) والتي تخضع لقيادة الحرس مباشرة ويبلغ عدد مقاتليها الأربعة ملايين متطوع يتوزعون على 30 ألف قاعدة عسكرية موزعة في جميع أنحاء إيران، بالإضافة إلى الجيش النظامي البالغ تعداده حوالي الـ 700 ألف جندي .
وقد قامت إيران بإخضاع تلك القوات مجتمعة لدورات عسكرية مكثفة في الاتحاد السوفيتي والصين وكوريا الشمالية، كما أنها قامت بإدخالها في  مناورات عسكرية متتالية من أجل الحفاظ على جهزويتها .
(2) تبقى إيران بلداً معترفاً به دولياً وغير خارج عن القانون، ولم يثبت إلى الآن أنه قام بعمل إرهابي من بعيد أو من قريب، بل إن إيران أخبر من غيرها في مجال الإرهاب؛ فقد حصد الأخير منها رئيساً للجمهورية وآخر للوزراء والعديد من كوادرها الأوائل وقادتها الروحيين، كما أن إيران تحتضن عشرات السفارات والقنصليات الدبلوماسية لدول صديقة على أرضها، بالإضافة إلى أن لديها مقاعد عدة في منظمات دولية مُختلفة .



(3) تتصاهر إيران وأوربا وجنوب آسيا في العديد من المشاريع الاقتصادية الضخمة والتي لا يمكن المساومة عليها أو التفريط بها، وتتصدر ألمانيا من أوربا ذلك؛ حيث توجد أكثر من 400 شركة ألمانية بقطاعات مختلفة على أرض إيران، كما أن 12% من واردات إيران الإلكترونية تأتيها من ألمانيا، وقد تمّ توقيع اتفاقية إطار لقروض بقيمة 1,1 مليار مارك بين مصرف "دوتشة بنك" ممثلاً عن مجموعة مصارف دولية وبين الشركة الوطنية الإيرانية للكيماويات لتنفيذ مشروع ضخم يشمل إقامة أكبر منشأة لتصنيع الإثيلين عالمياً؛ وكان معدل التبادل التجاري بينهما في العام 1999م 3,1 مليار مارك، كما أن إيران تدرك بأن الاقتصاد العالمي ليس خاضاً بالضرورة لعصا الولايات المتحدة فهناك 1000 شركة تمتلك نصف الإنتاج العالمي، وهي شركات رأسمالية براجماتية بحتة تلهث وراء الربح ضاربة عرض الحائط كل أصول السياسة كما فعلت ذلك شركة توتال الفرنسة العملاقة، وبالتالي فإن أي ضربة أمريكية لإيران لن تكون بمعزل عن تلك الرساميل الاقتصادية الحيوية والهامة .



(4) قامت إيران ببناء علاقات حديدية مع الكثير من الدول التي تتطلع لاستقلالية نوعاً ما عن السياسة الأمريكية كالصين وروسيا  والهند والنمور الآسيوية، وبهذا يكون ظهر إيران محمياً من الخلف والشمال، بالإضافة إلى أن تحرك تلك الدول في حال ضُرِبت إيران سيكون في اتجاهات لا ترضي المارد الأمريكي .



(5) بدأت إيران في استغلال الخلاف الأمريكي من جهة والأوربي الأممي من جهة أخرى في الكثير من الملفــــات الحيوية ( الخليج وقضية الشرق الأوسط ) وخصوصاً قضية العراق وإيران نفسها، فالولايات المتحدة لازالت تتسلى بسياسة الاحتواء المزدوج DUAL CONTANINMENT   الفاشلة أما أوربا فقد تجاوزت حتى سياسة الحوار النقدي CRITICAL DLALOJUE الذي بدأته في مطلع التسعينيات إلى فضاءات أوسع، إضافة إلى أن مواقف حكومة اليمين الفرنسية  –المتحررة من النفوذ الأمريكي نوعاً ما – من ملفات عدة في الشرق الأوسط أهمها قضية المقاومة الإسلامية في لبنان (ومنها مصافحة جاك شيراك لنواب حزب الله في البرلمان اللبناني إثناء عقد اجتماعات المنظمة الفرانكفونية في بيروت) بدأ يفك من القبضة الأمريكية، يضاف إلى ذلك أن هناك ثمان دول أوربية تختلف مع الولايات المتحدة في تعريف الإرهاب، وكان لقاء السفير البريطاني في بيروت بأمين عام حزب الله – بطلبٍ من الأول - في أتون الضغوط الأمريكية على الحزب له دلالات واضحة، كما أن زيارة الأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان لإيران قبل شهور عدة وتصريحاته المُزكّية لها؛ بيّن مدى التباين الأممي مع الولايات المتحدة في سياستها العدائية، حيث صرّح سيادة الأمين العام فيما يخص اتهام أمريكا لإيران بأن الأخيرة تتدخل في الشؤون الأفغانية وتؤوي عناصر من تنظيم القاعدة على أراضيها، بأنه ليس لديه " أي معلومات مستقلة " تدل على تدخل إيراني في أفغانستان،  وبأن " الإيرانيين لا يُحبون تنظيم القاعدة ولا يؤيدونه فكرياً ولا دينياً ولا سياسياً " وأضاف " سيكون شيئاً غريباً أن يؤيدونه فجأة " ، وزاد " نحن بحاجة إلى الخبراء الإيرانيين المتخصصين في عدة مجالات، وإيران لديها علاقات تجارية قديمة مع أفغانستان، ولديها خبرة في إعادة تأهيل الطرقات " وأشاد بتعهد إيران في مؤتمر الدول المانحة باليابان تقديم مساعدات تُقدّر بـ 560 مليون دولار لإعادة إعمار أفغانستان، وشكرها على إيوائها لأكثر من مليوني لاجئ منذ السنوات العجاف التي مرّ بها الشعب والأفغاني وإلى الآن .



(6) بدأت إيران في تحسين علاقاتها مع دول الخليج التي تحدهم بـ 3200 كم إلى درجات متقدمة خصوصاً مع المملكة العربية السعودية وهي علاقات تقلق الولايات المتحدة إلى حد كبير .



ومن خلال المعطيات الجديدة في المنطقة فإن دول الخليج غير مستعدة لأن تكون كبش فداء في حال نشوب حرب أمريكية إيرانية، كما أن مواقف المملكة العربية السعودية من إيران هي مواقف لافتة وإيجابية جداً فقد دخلت المملكة في سجال مفتوح مع دولة الإمارات العربية المتحدة عندما أثارت الأخيرة مواقف معينة من قضية الجزر الثلاث، يضاف إلى ذلك تصريحات سمو الأمير سلطان بن عبد العزيز وزير الدفاع السعودي في زيارته الأخيرة لإيران، بأن القوة العسكرية لإيران هي " قوة للمسلمين " وهذا أيضاً له دلالته.



(7) كما أن أمريكا يجب أن تقرأ نفسا جيداً وعلى العالم أن يعرف ذلك وأن يفيق من حالة الانبهار التي يعيشها تجاه النموذج الأمريكي، فأمريكا أكبر مدين في العالم حيث وصلت ديونها ( الداخلية والخارجية ) في بداية التسعينيات 4000 مليار دولار ( 4 تريليون دولار ) و تشير تقارير صندوق النقد الدولي بأن حجم الدين الأمريكي واصل سنة 2010 إلى درجة أن فوائده وحدها سوف تزيد عن حجم الناتج الإجمالي الأمريكي في تلك السنة، كما أن بها 30 مليون شخص يعيشون تحت خط الفقر، و 21 مليون أمّي، وهي أرقام مخيفة لدولة تريد أن تجعل من نفسها قيمومة على العالم أو أن تدخل في حروب هنا وهناك .



إن المُدرك لحقيقة التباين اللآيدولوجي والمعرفي والسياسي بين الجمهورية الإسلامية والولايات المتحدة الأمريكية  يستطيع أن يتوصل إلى مبرر بقاء "أزلية العداء" بين الدولتين، والتي بدورها لا تعني أبداً انسحاق لخطوط معرفية وفكرية وإنسانية بين دين الإسلام ودين المسيحية اللذان تمثلهما إحدى الدولتين لأن مفهوم الدولة السياسية في الغرب ليس خاضعاً لمقاييس الدين المسيحي أو حتى لنفوذه، بل هي منظومة براجماتية تنهل من القواعد الفلسفية للرأسمالية الليبرالية الجشعة وما العلاقة بينهما إلاّ علاقة رسمية، وإن تصريح الرئيس بوش بأن الحرب القادمة هي حرب صليبية ما هو إلاّ استغلال وتوظيف وإقحام سيئ للعبارات والمفاهيم .



لذا فلم تفلح الولايات المتحدة في إقناع إيران بالدخول إلى حلفها ضد ما يسمى بالإرهاب، كما لم يفلح وفد الترويكا الأوربية .



 كما رفضت إيران رفضاً قاطعاً القائمة المرسلة إليها من الولايات المتحدة والمتضمنة أسماء لبنانيين وفلسطينين تريد اعتقالهم، لقد كان موقف إيران من الطلب الأمريكي آنف الذكر موقفاً حاسِماً وجريئاً وسريعاً كذلك من جميع القيادات الإيرانية وبشتى أطياف السياسة الإيرانية والتشكيلات الحزبية، بدءاً بمرشد الثورة الإسلامية آية الله السيد علي الخامنئي الذي أعلن في مناسبة أسبوع الدفاع المُقَدّس أن إيران " لن تساهم في أي تحرك تقوده أمريكا " لأن أمريكا " ليست صالحة وغير صادقة " للقيام بتلك الحملة، وأضاف أن إيران " مستعدة لتقديم العون لهذا التحرك العالمي في إطار الأمم المتحدة شريطة أن لا تخضع لنفوذ أمريكا وغيرها من الدول الكبرى " .



كما وصف الرئيس محمد خاتمي الرئيس الأمريكي بـ "المتغطرس "
للأسف أن الولايات المتحدة لم تدرك إلى الآن أن السياسة الإيرانية لا تُدار فقط بتقدير المصالح بل أن هناك ضوابط قِيَمِيّة تحكمها، كما أنها –أي السياسة الإيرانية- ورغم ذلك لم تُحَكّم رغباتها الأيدلوجية على حساب مصالحها المباشرة وهي السياسة التي كانت تتبعها الأنظمة الاشتراكية في الماضي التي أنفقت الكثير على مشاريع أيدلوجية حتى أفلست .



لقد نَبّهت إيران مراراً إلى أن التعريف الأمريكي للإرهاب غير دقيق وغير صحيح، فهو ينطلق من منطلقات محورية في السياسة الأمريكية البرجماتية بصورة صرفة، وبالتالي أدى ذلك إلى تأزيم المفهوم .



إذ لم تكن الأفعال والمفاهيم الأصلية أو الصناعية خاضعة يوماً لمقاييس السياسة الفردية والمصلحة الشخصية بل إنها محكومة بالقيم الإنسانية التي تؤكد مطلقية المفهوم في دائرة الصواب فقط، ولا يمكن أن توظف المفاهيم عنوة لتمرير السياسات البرجماتية على حساب الشعوب والثروات .في النهاية قد نخلص إلى أن ضرب أمريكا لإيران بحجة مكافحة الإرهاب ستكون الكبوة المُقعِدَة لعنجهية المارد الأمريكي وعصبيته اللامبررة .

التعليقات (0)

شارك بتعليقك حول هذا الموضوع

شارك هذا الموضوع