لا فائدةَ تُذكرُ من العملِ السياسيِ المسؤولِ ضدَ قُوةٍ ما دونَ معرفةٍ عميقةٍ بتلكَ القوةِ وبتاريخها ومؤسساتها وتياراتها المتضاربةِ وسياستِها وثقافتها، ولا غنى مع توفرِ كلِّ ذلكَ عن معرفةٍ كاملةٍ بِلغتِها، لكن لا يَسَعُنا إلاّ البكاءُ لوضعِنا البدائيِّ الفاشلِ عندما نُسائِلُ شبَابَنا المهووسُ بعداءِ إسرائيلَ بلا شعورٍ فهم يهرِفُونَ بما لا يعرفونَ عن الكيانِ الصهيوني وبلغةٍ مرتبكةٍ ركيكة، وهذه نصيحةٌ أسداها البرفيسور الفلسطيني المولد الأمريكيُ الجنسية إدوارد سعيد في كيفيةِ التعاملِ العربي مع الولايات المتحدة الأمريكية .
ننامُ ونصحُو فقط على نغماتِ مقولاتِ النصر التي يُهَيجُها الإعلامُ كالقوالبِ الجاهزة، وذلك النمطُ التخذيريُ للذات لا يُساهمُ أبداً في تجييشِ كلِّ فصولِ المعركةِ الحضاريةِ والسياسيةِ والحربيةِ وغيرها لأنه يُحاكِي جانباً هزيلاً في الشعورِ العربي والذي يتطلبُ استنهاضاً غير عاديٍ لانتظارِ أدوارٍ وأدوار في هذه المعركةِ الأزلية . وللأخذِ بنصيحةِ البرفسور الفلسطيني خصوصاً ونحن نعيشُ منعطفاً حاسماً من منعطفاتِ ذلك الصراع فقد وجدتُ نفسي مُلزَماً بأن أعملَ وأنتم أيضاً أيها الإخوةُ الأعزاء بذلك النُصح، علينا أن نعرفَ الإسرائيلي جيداً ونقرأُهُ جيداً برجالاتهِ ومفاهيمهِ ومشاريعهِ وطموحاتهِ وأماكنِ نفوذِه، وكيف استطاعَ أن يُكمِّمَ أفواهَ الدولِ العظمى بشعوبِها لكي لا تمُسَّ مقداساتِهِ التاريخية بل وكيفَ يستطيعُ أن يأتي برئيسٍ ويخلعُ آخرَ والكلُّ يستجديِهِ ويحسِبُ له ألفَ حساب، كما أنه يتوجبُ علينا أن نحاكي المعادلةَ الإقليميةَ للصراعِ القائمِ بيننا وبينه كما هي، مضافاً إليها طموحاتِنا السياسية لطبيعةِ الحلِّ المُتَبنّى من قِبلنَا كتيار .
لقد آثرتُ أن أبدأَ أيها الأخوةُ بتناولِ موضوعِ شكلِ الدولةِ في إسرائيلَ وقِواها السياسيةِ لكي نكون جديرين لأن نكون جزءاً من الصراع ..
الحكومة في الدولة العبرية : تُعتبرُ الحكومةُ في إسرائيلَ السلطةَ التنفيذيةَ العليا التي يُناطُ بها تنظيمُ القضايا الداخليةَ ورسمُ السياسةِ الخارجيةِ للدولة، كما أنها تعتبرُ انعكاساً للتركيبةِ الحزبيةِ في الكنيست، حيث أن الحزبَ الذي ينالَ الأكثريةَ يتمُّ تكليفُ زعيمِهِ بتشكيلِ الحكومةِ وأعضاءَ الحكومة ونوابُهم هم بالضرورةِ أعضاءٌ في الكنيست .
وقد توالى على الحكومةِ في الكيانِ الصهيوني منذُ إنشائِها وحتى أيامِنا هذه ثلاثونَ حكومةً بينها إثنينِ وعشرونَ وزارةً لحزب العملِ وسبعُ وزاراتٍ لليكود وحكومةٌ واحدةٌ تناوبَ العملُ والليكودُ على رِئاسَتِها، والغريبُ في ذلكَ أن جميعَ الحكوماتِ في إسرائيلَ لم تستطع إكمالَ دورتِها الرئاسيةِ بسببِ المشاكلِ الأمنيةِ
والحربيةِ والإنشقاقاتِ المتتاليةِ في الجسمِ الحزبيِّ المُتحكِم في الحياة السياسةِ الإسرائيلية .
أما رئيسُ الدولةِ في إسرائيلَ فإنهُ منصبٌ بروتوكوليٌ حيث أن الرئيس لا يتمتعُ بصلاحياتٍ مهمةٍ ذاتَ تأثير، أما عن طريقةِ تعينيهِ فهي كالتالي : يُنتخبُ من قبلِ الكنيست بالإقتراعِ السري لمدةِ خمسِ سنواتٍ بحسبِ التقويمِ العبري وبالرغمِ من أن الإنتخابَ يتمُ في الكنيست إلاّ أنه يظلُ شكلياً لأنه يتمُ الإتفاقُ على الرئيسِ
بين الأحزابِ الموجودةِ في الكنيست و يكونُ الرئيسُ من الحزبِ الذي يتمتعُ بالأكثرية في البرلمان، فقط الرئيس السادس حاييم هيرتزوغ كان الإستثناءُ لهذهِ القاعدة إذ تمّ انتخابُهُ وهو من حزب العمّال في ظلِّ حكومةِ مناحِم بيغن الليكودية، وقد تعاقبَ على منصبِ رئيسِ الدولةِ في إسرائيلَ منذ إنشائِها وحتى الآن
سبعةُ رؤساء جميعُهُم من حزبِ العمل، كما أن ستةً من هولاء هم من اليهود الغربيين ( الإشكيناز ) ما عدا الرئيسُ الخامس إسحق نافون فهو من اليهودِ الشرقيين ( السفارديم ) .
الكنيست : وهي السلطةُ التشريعيةِ في الكيانِ الصهيوني وتعني /" الجمعية /" باللغة العربية وتتكونُ من مجلسٍ واحدٍ يضمُ 120 نائباً يتمُ انتخابُهُم بنظامِ الإقتراعِ النسبي وعلى أساسِ القائمةِ الحزبيةِ لمدةِ أربعِ سنوات، وكان مجلسُ الدولة المُؤقت الذي أُنشئَ إثرَ إعلانِ قيامِ دولةِ إسرائيل في 15/5/1948 م قد تولى مهامَّ السلطةِ التشريعيةِ وقامَ بوضعِ قانونِ إنتخابِ الجمعيةِ التأسيسيةِ التي انتُخِبَت في فبراير 1949 م واجتمعت في التاسعِ عشرَ منه لتتحولَ إلى هيئةٍ تشريعيةٍ أطلقت على نفسِها الكنيست .
وقد جرت في إسرائيلَ من إنشائِها ولحدِّ الآن أربعة عشرَ دورةً انتخابيةً تشريعية .
الأحزاب في إسرائيل : تُعتبرُ الأحزابُ في إسرائيلَ النواةَ الحقيقيةَ لمكامِنِ مراكزِ القوى وتوزيعِ الأدوارِ ومن ثم النسيجُ المُجتمعي الذي يتلوَّى بين الطبقاتِ الإجتماعية، كما أنها تتوزعُ في التوصيفِ السياسيِ بين اليسارِ واليمينِ والأحزابِ الدينيةِ المتطرفة، ويمكِنُنَا تحديدُ تلك الأحزابِ الأكثرَ شهرةً وامتداداً شعبياً في التالي :
حزب العمل، الليكود، حزب مَيْرْتس، حزب تسوميت، شاس، المِفدال، يهدوت هاتوراه، حزب موليديت، حزب حداش، الحزب العربي الديمقراطي . ولنا في الحزبينِ الأولينِ أهميةٌ دونَ غيرهِما باعتبارِهِما الأكبرُ حجماً
والأوسعُ عدداً من حيث الميريدين كما أنهما ظلا يتقاسما السلطة طيلة عمر الكيان الصهيوني :
حزب العمل أو ( أحدوت هاعفوداه ) : وهو حزبُ العمّال الإشتراكي الصهيوني تأسس عام 1919 م وفي عام 1930 م توحدَ مع منافِسِهِ هابو إيل هاتزاير ليُشكلا حزبَ (الماباي) ، وفي عام 1944 انفصلت جماعةٌ أكثرَ جذريةً من الماباي لتعيدَ تشكيلَ حزبِ أحدوت هاعفوداه ، ومن ثم عادَ الأخيرُ ليتحالفَ مع الماباي من جديد في العام 1965 ومن ثم توحدا ليشكلا حزبَ العملِ الإسرائيلي المعراخ .
حزب الليكود : وكان يُسمى بحزبِ حيروت أي الحرية وهو حزبٌ سياسي أسسه في العام 1948 نشطاءُ حركةِ إرغون زيفاي والحزبُ الأصولي، فاز في الإنتخابات عام 1977 وبقي في السلطةِ حتى عام 1992 عندما فازَ حزبُ العملِ مُجدداً في الإنتخابات إلاّ أنه عادَ من جديد برئاستة بنيامين نتنياهو والآن هو برئاسة الجنرال الأرعن أرئيل شارون . وللحديثِ بقيةٌ بإذنه ،،
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ،،
التعليقات (0)