شارك هذا الموضوع

الفضاء المسرحي وقضية الحسين شباب السنابس في... الموت أولى من ركوب العار

السنابس - حبيب آل حيدر


2003 - 3 - 10
قدمت مجموعة من الشباب الهاوي للعمل المسرحي فصلا من ملحمة الشاعر عبدالرحمن الشرقاوي "الحسين ثائرا الحسين شهيدا" وذلك في مأتم بن خميس ضمن فعاليات إحياء موسم عاشوراء. ووسط جمهور ملأ ساحة المأتم وخارجها، شاهد المتفرجون فصلا من هذه المسرحية يدور حول محاولة أخذ البيعة من الحسين ليزيد بن معاوية بالحكم. يدور هذا الموقف المسرحي في قصر والي المدينة الوليد بن عتبة وقد مثل فيه كل من جابر حسن "مروان بن الحكم"، وفلاح أحمد "الوليد بن عتبة"، وياسر العصفور "الإمام الحسين"، وقد بدت رؤية المخرج جابر حسن الحشاش واضحة وكذلك لمسات الفنان عقيل حسين في مجال المكياج وبصيرة علي طريف في مجال الديكور، وخصوصا أن هذا العمل يقدم للمرة الثانية إذ قدم في المرة الأولى بشكل تمثيل صوتي فقط أما في هذه المرة فقد تمت مسرحته بصريا لذلك ظهر العرض بشكل فتح المجال للإبداع والتلقي والتأويل.


يجرى العرض من منصة خالية من أي شي سوى كرسي يترفع فوق ثلاث عتبات ووراءه خلفية سوداء وأقواس من قماش بما يشبه زينة القصر، ولا أراني مبالغا إذا قلت إن هذه الضآلة في استخدام الديكور والألوان في القصر هي حال من حالات استلهام شيء من مفهوم المسرح الفقير تاركا المشاهد يكمل الصورة من مخيلته متعلقا بمفهوم المتفرج الذكي وذلك بتوظيف مادة أقل في دلالة أكبر، فكأن خير الديكور ما قل ودل.


وإن كانت المسرحية تستلهم التراث التاريخي في الحادث فإن المخرج والممثلين من خلال هذا العرض قد قدموا لنا نماذج بشرية عكست حال التأزم وحال الرفض والثورة وحال الانتهازية وحال الحياد مثيرة في المشاهد أي المواقف يختار وأي السبل يسلك بما يعزز دور المسرح في العملية التغييرية فهل خرج المشاهد كما دخل.
وقد أتقن الممثل فلاح أحمد أداء دور الوالي الوليد بن عتبة من خلال تمثيل حال القلق الشديدة إذ ظل في حال ذهاب وإياب يذرع الخشبة ناقلا معه عيون المتفرج، وقد كان مقنعا في تلبس حال القلق خوفا من عدم القدرة على اخذ بيعة الحسين كما جاءه الأمر من يزيد فبقي ينافح وينفخ قلقا جاهرا بأصوات أنفاسه الدالة على الاضطراب والحيرة والخوف.


وفي مقابل هذه الحال جسد حالا أخرى وهي ضعف الحاكم أمام الأمر المقدم له من الأعلى، من سلطة أعلى منه ففي الوقت الذي كان يجسد الرجاء جسد الخوف فهو يرجو أن يقبل الحسين البيعة وإن كان يعلم باستحالة ذلك الأمر ويخاف من رفض الحسين وما يمثله هذا الرفض من عدم القدرة على تنفيذ أوامر الخليفة الجديد وما يستتبعه هذا الرفض من عواقب وخيمة على ولايته ونجاحه في عين الخليفة في إدارة أمور مدينته، وان هذا الخوف والرجاء هو الذي جعل شخصيته مهزوزة أمام المشاهد في قبال شخصية مروان بن الحكم، وهذا ما جعله يجلس حائرا مطرقا أحيانا وأحيانا مترجيا مروان أن يفاوض الحسين لأخذ البيعة.


ولكن ما يؤخذ على الفنان فلاح أحمد أنه على رغم قدرته الصوتية لكونه أحد الرواديد الجهوريي الصوت ومن الذين يتقدمون صوتيا فإنه لم يستثمر هذه القدرة على هذا المستوى بتقديم إيقاع لحني يتناسب مع ما في نص عبدالرحمن الشرقاوي من إيقاع صاخب.


انتهازية وقوة


قدم جابر حسن شخصية مروان بن الحكم فتـفـنن في أداء حال المراوغة وفنون المداهنة والانتهازية وهي شخصية ذات بعد واحد فهو قد حسم الموقف منذ البداية وحدد الهدف إما البيعة أو التهديد بالقتل وهذا ما جعل شخصية الوليد أمامه ضعيفة يطلق الصرخات تلو الصرخات حتى في وجه الوالي، هو سلطوي أكثر من السلطة وأمين على تنفيذ الأوامر بحذافيرها، وكم أخاف الوالي من الحكم الأموي ومن الناس إلى الحد الذي جعله أحيانا ينسى قدره ويجلس على كرسي الوالي نفسه.
وقد أثبت جابر حسن للشخصية هذه القوة من خلال الطبقة الصوتية التي يتحكم فيها فيرفع صوته عند الحسم والحزم وتخويف الأمير من توابع عدم تقديم الحسين للبيعة ويخفض طبقة صوته عند المراوغة والمداهنة لاستمالة الحسين وليس غريبا أن يختاره المخرج لتأزيم الموقف وإنهاء العرض من خلال إشهار سيفه في وجه الحسين، هذا مع الإشارة إلى وجود بعض الأخطاء اللغوية والإيقاعية في تأدية النص الشعري كان بالإمكان تداركها بشيء من الإتقان والمراجعة على رغم أن ذلك لم يخدش في عنصري التواصل والجمالية للنص عند عموم المتلقين.


وقدم شخصية الحسين "ياسر العصفور" محاولا أن يجسد صورة الحق المطلق و ويعبر عن النزاهة الكبيرة التي أفرغها الشاعر في حوارات الحسين تمثيلا للشرف الرفيع والأهداف السامية التي ينادي بها في ثنايا العرض ولا أدري أهذا ما حدا بالمخرج أن يجعله قليل الحركة لإضفاء سمة الثقة بالنفس ورباطة الجأش والحزم في مثل هذه المواقف البطولية أو لإضفاء عنصر القداسة على شخصيته فهو كما يقول أحد الحجاب "زارنا نور النبي... إنما يسعد رضوان على باب الفراديس إذا ما استقبله... هو تشريف لهذا الباب أن يفتح له ... هو ذا نور النبوة وعلامة الإمامة..." أم ترى أن قلة حركته كانت بسبب ما اتشح به من لباس يخفي وجهه فصعب تحركه كثيرا حتى لا يتعثر أو يقع خارج المنصة، وفي المقابل أرى أن المخرج قد أحسن حينما جعل شخصية الحسين على المنصة أقرب من غيرها للجمهور وكأنه أدرك الوظيفة المباشرة من خطابه فهو يمثل هؤلاء الجمهور ويحمل قضيتهم "أنا ماض... طال والله انتظار الفقراء الصالحين ... كل من في هذه الدنيا فقير... كلنا حتى كبار الأغنياء" ومن أجل هذه الصيغ الوعظية وغيرها كان قريبا من الجمهور معتمدا كثيرا على التقنيات الخطابية عبر الإشارة بيديه، وما تغطية الوجه إلا حيلة فنية افترضها المخرج ليستطيع سوق المقدس على المنصة من غير خدش لمخيلة المتفرج الخاص.


وقد مثل ياسر العصفور التأزم المحتدم الذي أخذ يتصاعد ويتصاعد من خلال رفض الحسين للبيعة فجعل الموقف في ذروته حينما قال "أنا أعطي بيعتي سرا؟ أمثلي يعقد البيعة سرا؟ أنا لا أسدل ما بيني وبين الناس سترا ..." مترفعا فوق كل تهديد ومدركا الغرض الذي أحضر لأجله حاسما خياره الوحيد الذي تختاره الشخصية الملحمية عادة في مثل هذه المواقف المسرحية وهذا سر مأساتها في الدراما وفي هذه المسرحية الشعرية.


ولذلك أرى أن اختيار المجموعة مقولة "الموت أولى من ركوب العار" عنوانا للعرض كان يمثل إيجازا دقيقا لهذا الفصل المختار للتمثيل من المسرحية، وإن كانت لي ثمة ملاحظة على جعل كلمة الموت في سطر وباقي المقولة في سطر آخر على مستوى التلقي البصري وقراءة الشكل أبرزت حال الموت بشكل أكبر ما يسهم في رسم صورة أكثر مأسوية وسلبية وهو ما يضاد موقف الرفض والثورة الباعث على الأمل المقبل في الخلاص الذي يصنعه الثائر.


وليس غريبا أن يدمج المخرج الشخصيات التي تبدأ بتقديم الحسين وتحذيره من دسائس القصر في شخصية واحدة وهذه التفاتة يقظة على مستوى الإخراج فالمؤلف وإن جعلهم أكثر من شخصية فإن حوارهم مع الحسين كان حوارا يحمل في ثناياه بعدا واحدا وقد ساق ممثل دور الحاجب موقفه من الحسين وتحذيره من دسائس القصر "لا تشرب شيئا في القصر...


لا تشرب ماء أو عسلا..." فقد ساق دوره بإتقان من غير أن يحسسنا بالازدواجية بين موقفه من الحسين وبين وظيفته في القصر حاجبا فهو ينطلق من موقع التحذير الأمين وقد مثل بذلك عاطفة الاستهواء الإيجابي التي يقع فيها من هم مثله أو في موقفه أمام شخصية كبيرة مثل شخصية الحسين.
إن الحجاب الثلاثة الذين يتشحون بسيوفهم وإن كان دورهم غير أساسي فإن الرؤية الإخراجية جعلتهم الحد الفاصل بين حجرة الحكم وخارجها ووراءهم اصطف ثلاثة رجال يمثلون أصحاب الحسين ويحملون سيوفهم وهذه المقابلة هي ما أضفت عنصر التعادل بين عنصري السلب والإيجاب وجعلت الموقف قابلا للانفجار والحسم في أية لحظة يتصاعد فيها الحوار.


و في الوقت الذي ارتدت مجموعة الشر "الوليد، ومروان، والحجاب" اللون الأحمر ومشتقاته ارتدت مجموعة الخير "الحسين، والأصحاب" اللون الأخضر والأبيض وهي محاولة غير مباشرة لاستلاب بصيرة المتلقي ليتخذ موقفه المناسب من شخصيات العرض ويفتح مخيلته على الموقف سابقا الحوادث أسيرا لعنصر التوقع الجميل الذي يجعله صانعا للحادث المقبل في ذهنه قبل أن يقع.


وقد استخدمت الإضاءة بالتقنية التقابلية نفسها حينما اشتد الموقف وتأزم ورفعت السيوف فتعاكس كل من اللونين الأبيض والأسود في بريق سريع خاطف بين إظلام وإنارة لتمثيل حال الاضطراب وتصاعد الموقف ووصوله إلى ذروة التأزم، وفي النهاية الإظلام شيئا فشيئا مع خروج شخصية الحسين. و على رغم ما سبق من تلق يوحي بنهج تعاطفي مع العرض المقدم ومحاولة تبنيه على مستوى التلقي والتأويل والوقوف معه أكثر مما يقف هو مع نفسه فإنه لابد من الإشارة إلى أهمية أن يلتزم العمل بالجدة وتبني نفسه ورسالته وأن يقدم إبداعه الخاص به، وهنا تساءل من حاجة ملحة إلى اقتباس أنشودة "بأسلوب القص والتلصيق" ووضعها في مقدمة وخاتمة العرض، ما يمثل اتكاء على الآخر من غير الاستئذان أو التوثيق بما يعكس تقدير جهد الآخر، ولهذا اتساءل ألم تكن المجموعة قادرة على صناعة أنشودتها الخاصة المحملة بما في العرض من دلالات ثرية تسهم في إبراز عنصر الجدة وإظهار القدرة على الإبداع الذاتي؟


في الوقت الذي تحسب لهؤلاء الشباب هذه الخطوة التي تجعلهم على بداية الطريق اللاحب في مدارج التمثيل فإنه لابد من إدراك أهمية التوجه نحو استخدام الأدوات المسرحية بوعي أكبر ما يجعلهم أكثر قدرة على تقديم الأداء المتميز الذي يفتح لهم آفاق الإبداع الفني وتقديم رسالة واضحة في صورة أكثر حيوية وجمالا.


هذا المقال من صحيفة
http://www.alwasatnews.com

التعليقات (0)

شارك بتعليقك حول هذا الموضوع

شارك هذا الموضوع