شارك هذا الموضوع

المجلس الرمضاني ليلة (28) 1447/2026 الشيخ حسين البلادي

واصل سماحة الشيخ حسين البلادي محاضرته الرمضانية في حسينية الحاج أحمد بن خميس في ليلة الثامن والعشرين من شهر رمضان لعام 1447هـ ، افتتح سماحته محاضرته بتلاوة قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾،ليربط بين الهجرة في سبيل الله، والعمل الصالح، ومقام النبي (ص)، ممهّدًا للحديث عن مرحلة حساسة من سيرته، وهي خروجه إلى الطائف بعد اشتداد الأذى عليه في مكة، خاصة بعد فقده لأبي طالب عليه السلام الذي كان الحامي والناصر الأول له.

ثم انتقل الشيخ إلى الحديث عن مدينة الطائف، فبيّن موقعها الجغرافي في المنحدرات الشرقية لجبال السروات، وأهميتها الاقتصادية ومكانتها بعد مكة، وذكر رواية في سبب تسميتها، حيث قيل إن قطعة من الأرض طافت حول الكعبة سبعة أشواط ثم استقرت في مكانها، فسُمّيت بالطائف. هذه المقدمة لم تكن مجرد وصف جغرافي، بل كانت تمهيدًا لفهم لماذا اختار النبي (ًص) هذه المدينة تحديدًا لتكون وجهته بعد مكة. بعد ذلك، فصّل الشيخ في أهداف خروج النبي إلى الطائف، موضحًا أنها لم تكن خطوة عشوائية، بل كانت مدروسة وتحمل ثلاثة أهداف رئيسية. الهدف الأول كان البحث عن بيئة آمنة بعد أن أصبحت مكة غير صالحة لنشر الدعوة بسبب شدة أذى قريش. الهدف الثاني هو الاستفادة من مكانة الطائف الاقتصادية وموقعها الاستراتيجي، إذ كانت محطة مهمة للقوافل والتجارة، ما يجعلها بيئة مناسبة لانتشار الدعوة. أما الهدف الثالث، وهو الأهم، فكان البحث عن دعم سياسي وعسكري، خاصة من قبيلة ثقيف التي كانت من أقوى قبائل المنطقة، ليكون لها دور في حماية النبي ونصرة الإسلام.

وبيّن الشيخ أن النبي (ص) أقام في الطائف مدة تتراوح بين عشرة أيام وشهر، ولم يترك أحدًا إلا ودعاه إلى التوحيد، لكن النتيجة الظاهرة كانت قاسية، إذ لم يستجب له أحد، بل تعرض لأذى شديد، حيث أغرى أهل الطائف سفهاءهم برميه بالحجارة حتى أُدمي، وسال الدم من جسده الشريف. وفي هذا المشهد المؤلم، يظهر وفاء من كان معه، كالإمام علي (ع) أو زيد بن حارثة، حيث قاموا بحمايته وتضميد جراحه، في صورة تجسد قمة التضحية والولاء.ثم تطرق الشيخ إلى بعض الروايات المشهورة المرتبطة بهذه الحادثة، مثل قصة عدّاس، وناقشها بنظرة نقدية، مبينًا وجود إشكالات فيها، خصوصًا أنها تتعارض مع القول بأن أهل الطائف لم يستجيبوا للنبي في تلك المرحلة، كما أنها تُظهر بعض الشخصيات بمظهر إيجابي قد لا ينسجم مع مواقفهم المعروفة. ومن خلال هذا الطرح، أكد الشيخ على ضرورة التمحيص في الروايات وعدم قبولها دون تدقيق وتحليل.

وفي ختام المحاضرة، فصّل الشيخ في أسباب طرد أهل الطائف للنبي صلى الله عليه وآله، فذكر أن العامل الاقتصادي كان من أبرز الأسباب، إذ كانت الطائف تعتمد على قريش في تصريف منتجاتها الزراعية، وخشيت أن تخسر هذا السوق إذا وقفت مع النبي. كما أشار إلى العامل الديني، حيث كان لأهل الطائف ارتباط بعبادة الأصنام في مكة، وخافوا أن يُمنعوا منها إذا ناصروا النبي. ومع ذلك، شدد الشيخ على أن رحلة الطائف لم تكن فاشلة كما قد يظن البعض، بل كانت خطوة تأسيسية في مسار الدعوة، إذ إن آثارها ظهرت لاحقًا عندما دخل كثير من أهل الطائف في الإسلام، مؤكدًا أن نجاح الرسالات لا يُقاس بالنتائج الفورية، بل بما تثمره عبر الزمن، وأن دور النبي هو البلاغ، أما الهداية فهي بيد الله سبحانه وتعالى.

التعليقات (0)

شارك بتعليقك حول هذا الموضوع

شارك هذا الموضوع