شارك هذا الموضوع

المجلس الرمضاني ليلة (24) 1447/2026 الشيخ حسين البلادي

ابتدأ سماحة الشيخ حسين البلادي محاضرته الرمضانية في حسينية الحاج أحمد بن خميس في ليلة الرابع والعشرين من شهر رمضان لعام 1447هـ بقراءة قوله تعالى: ﴿والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا لنبوئنهم في الدنيا حسنة ولأجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون﴾. ثم أشار إلى ما تقدم في المجلس السابق من الحديث عن مرحلة إعلان النبي الأكرم ﷺ للدعوة الإسلامية، وكيف وقفت قريش بكل كبريائها وغطرستها في وجه هذه الدعوة، وعملت على تعذيب كل من آمن بالنبي ولا يملك عشيرة تحميه. وعندما رأى النبي ﷺ إصرار قريش على إيذاء المسلمين والتنكيل بهم، اضطر إلى أن يأمر بعض أصحابه بالهجرة من مكة المكرمة إلى الحبشة حفاظًا على دينهم وأنفسهم.

وبيّن أن الحبشة تقع في الجهة الشرقية من القارة الإفريقية، وهي التي تُعرف اليوم بجمهورية إثيوبيا الفيدرالية الديمقراطية، وكانت قريبة من شبه الجزيرة العربية ولا يفصل بينها وبينها إلا البحر الأحمر. وقد اختار النبي ﷺ الحبشة لعدة أسباب، أهمها أن فيها ملكًا عادلًا لا يُظلم عنده أحد، كما أن موقعها بعيد عن نفوذ قريش والروم والفرس، ولم تكن قريش تملك خبرة في ركوب البحر أو الوصول إليها بسهولة، مما جعلها مكانًا آمنًا للمسلمين الذين يتعرضون للاضطهاد في مكة.ثم تحدث الشيخ عن ملك الحبشة في ذلك الوقت، وهو أصحمة بن أبجر المعروف بالنجاشي، وقد وصفته الروايات بأنه ملك حكيم وعادل. وقد شهد له النبي ﷺ بذلك، إذ كان معروفًا بالإنصاف وعدم الظلم. وذكر بعض المؤرخين أن أبرهة الحبشي الذي جاء لهدم الكعبة كان من أجداد النجاشي أو من أقاربهم، وإن اختلفت الروايات في ذلك.

وأوضح الشيخ أن الهجرة إلى الحبشة لم تكن مجرد هروب من الاضطهاد، بل كانت خطوة استراتيجية ذات أهداف متعددة. فقد أراد النبي ﷺ أن يجعل قضية الإسلام قضية معروفة خارج مكة، حتى لا تُصوَّر على أنها مجرد نزاع داخلي بينه وبين قريش. كما أراد أن يحافظ على نخبة من القيادات المؤمنة التي يمكن أن تمثل الإسلام خارج مكة إذا تمكنت قريش من القضاء على القيادات الموجودة داخلها. لذلك جعل النبي ﷺ جعفر بن أبي طالب قائدًا للمهاجرين إلى الحبشة، ليكون ممثلًا للمسلمين هناك. ومن الأسباب أيضًا أن الحبشة كانت منطقة ذات وضع اقتصادي جيد، مما يسمح للمسلمين بالعيش والعمل فيها دون أن يكونوا عالة على غيرهم.وأشار الشيخ إلى أن عدد الذين هاجروا إلى الحبشة بلغ نحو سبعين رجلًا من المسلمين، وكان على رأسهم جعفر بن أبي طالب. وعندما علمت قريش بهجرتهم، أرسلت عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد إلى الحبشة ومعهما هدايا للنجاشي، بهدف إقناعه بتسليم المسلمين إليهم. وعندما دخلا على النجاشي عرضا عليه الأمر وقالا إن هؤلاء خرجوا من دين قومهم وسبّوا آلهتهم وفرقوا جماعتهم، وطلبا منه أن يسلمهم إليهم ليعيدوهم إلى مكة.

فاستدعى النجاشي جعفر بن أبي طالب وسأله عن حقيقة الأمر، فأجابه جعفر بالحكمة والوضوح. فسأل أولًا عمرو بن العاص: هل هؤلاء عبيد عندكم؟ فقال: لا، بل هم أحرار. ثم سأله: هل لكم عليهم ديون يطالبون بها؟ فقال: لا. ثم سأله: هل قتلوا منكم أحدًا فتطلبون بدمه؟ فقال: لا. عندها قال جعفر للنجاشي إن الله بعث فيهم نبيًا يدعوهم إلى عبادة الله وترك الأصنام، ويأمرهم بالصلاة والصيام وصلة الرحم والعدل والإحسان وينهاهم عن الفحشاء والمنكر.فطلب النجاشي من جعفر أن يقرأ عليه شيئًا مما نزل على النبي ﷺ، فقرأ عليه آيات من القرآن تتحدث عن مريم وعيسى عليهما السلام، ومنها قوله تعالى: ﴿وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبًا جنيًا﴾. فلما سمع النجاشي تلك الآيات تأثر بها تأثرًا شديدًا حتى بكى، وقال إن هذا الكلام والذي جاء به عيسى بن مريم يخرجان من مشكاة واحدة. ثم غضب على عمرو بن العاص ورفض تسليم المسلمين، بل حذّره من تكرار مثل هذا الطلب مرة أخرى.

فعاد عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد إلى مكة خائبين بعد أن فشلت محاولتهما، بينما بقي جعفر بن أبي طالب والمسلمون في الحبشة في أمان ورخاء حتى بعد فتح خيبر، حيث أمرهم النبي ﷺ بالعودة إلى المدينة المنورة.وختم الشيخ بذكر ما حدث بعد ذلك من تصعيد قريش لموقفها ضد النبي ﷺ، إذ اجتمع أربعون رجلًا من كبارها وكتبوا صحيفة يتعاهدون فيها على مقاطعة بني هاشم وبني المطلب، فلا يبيعون لهم ولا يشترون منهم ولا يتزوجون منهم ولا يزوجونهم، حتى يسلموا النبي إليهم. وقد علقوا تلك الوثيقة في الكعبة، ثم نقلوها لاحقًا إلى بيت أم أبي جهل خوفًا من أن تُتلف. وكان ذلك في السنة السابعة من البعثة على أشهر الروايات.وبسبب هذه المقاطعة الشديدة دخل النبي ﷺ وبنو هاشم في حصار داخل شِعب أبي طالب استمر قرابة ثلاث سنوات، عانوا خلالها من الجوع والضيق الشديد. فقد نفدت أموال أبي طالب وأموال السيدة خديجة عليها السلام، حتى اضطروا إلى العيش على القليل من الطعام، وذكرت بعض الروايات أنهم كانوا يقتاتون أحيانًا على أوراق الشجر، وأن أصوات الأطفال كانت تُسمع من شدة الجوع، ومع ذلك لم يتحرك ضمير كثير من قريش لرفع هذا الظلم عنهم. وبقي هذا الحصار من أشد المراحل التي مر بها المسلمون في بداية الدعوة الإسلامية

التعليقات (0)

شارك بتعليقك حول هذا الموضوع

شارك هذا الموضوع