ابتدأ سماحة الشيخ حسين البلادي محاضرته الرمضانية في حسينية الحاج أحمد بن خميس في ليلة الثاني والعشرين من شهر رمضان لعام 1447هـ بآية: ﴿فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين﴾، ثم ذكّر بما ذُكر في الليالي السابقة حول سيرة النبي الأكرم ﷺ قبل ليالي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام. وأشار إلى أن الدعوة الإسلامية مرّت بمرحلتين؛ المرحلة الأولى كانت سرّية واستمرت قرابة ثلاث إلى خمس سنوات بحسب اختلاف المؤرخين، وكان الهدف منها بناء قاعدة إيمانية قوية في بدايات الرسالة. ثم انتقلت الدعوة إلى المرحلة الثانية وهي الدعوة العلنية، لكن قبل إعلانها على الملأ أمر الله تعالى نبيه أن يبدأ بإنذار عشيرته الأقربين. لذلك جمع النبي أقاربه بدعوةٍ إلى مائدة أعدّها أمير المؤمنين علي عليه السلام، ليبلغهم رسالة التوحيد ويعرض عليهم الإسلام، في خطوة تمهّد لإعلان الدعوة أمام المجتمع.
بعد ذلك تحدّث الشيخ عن مرحلة الجهر بالدعوة، حيث بدأ النبي ﷺ يعلن رسالة التوحيد بين الناس في مكة وضواحيها. ومع انتشار خبر الإسلام بدأت قريش تتعامل مع النبي بالسخرية والاستهزاء وتوجيه التهم إليه، رغم أن النبي كان معروفًا بينهم بالصدق والأمانة. ومن الروايات التي تُذكر في هذا السياق أن النبي وقف يخاطب قريشًا داعيًا إياهم إلى قول: “لا إله إلا الله محمد رسول الله”، ويدعوهم إلى ترك عبادة الأصنام، مبينًا أن في ذلك عزّهم في الدنيا ونجاتهم في الآخرة. لكن ردّ فعلهم كان الاستهزاء والقول إن محمدًا قد جُنّ، غير أنهم لم يتعرضوا له بالأذى المباشر في البداية بسبب مكانة عمه أبي طالب وهيبته في قريش.وتذكر رواية أخرى أن النبي ﷺ صعد على جبل الصفا ونادى قبائل قريش، فسألهم: لو أخبرتكم أن خيلًا وراء هذا الجبل تريد أن تغير عليكم، هل تصدقونني؟ فأجابوا بأنهم ما جربوا عليه كذبًا قط. عندها أخبرهم أنه نذير لهم بين يدي عذاب شديد ودعاهم إلى الإيمان بالله. وهنا وقف أبو لهب وقال للنبي: “تبًا لك، ألهذا جمعتنا؟” فتفرق الناس، فنزلت الآيات في ذم أبي لهب: ﴿تبت يدا أبي لهب وتب﴾. ومع ذلك لم يتوقف النبي عن دعوته ولم يعطِ لاستهزائهم أي اعتبار، بل استمر في تبليغ الرسالة بثبات.
ثم انتقل الشيخ إلى موقف قريش من انتشار الدعوة، حيث اجتمع كبارهم وقرروا الذهاب إلى أبي طالب ليطلبوا منه أن يمنع ابن أخيه من الاستمرار في الدعوة. قالوا له إن محمدًا سبّ آلهتهم وسفّه أحلامهم وضلّل آباءهم، وطلبوا منه أن يكفّه عنهم أو يتركهم يتصرفون معه. لكن أبا طالب ردّ عليهم بكلام لين وأعادهم دون صدام. ومع استمرار النبي في الدعوة عادوا مرة ثانية ورفعوا لهجة التهديد، حتى قالوا لأبي طالب إن لم يمنع محمدًا فسيقاتلونه ويقاتلون معه. عندها نقل أبو طالب كلامهم للنبي، فكان جواب النبي ﷺ كلمته المشهورة: “يا عم، والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه”. فازداد أبو طالب تمسكًا بنصرته للنبي وحمايته، بل أخبره بأنه سينتصر على قريش.وبعد ذلك طرح الشيخ سؤالًا مهمًا: لماذا أصرت قريش على مواجهة النبي مع أن دعوته في ظاهرها عبادة وصلاة وصيام؟ وبيّن أن السبب الأول هو أن رسالة النبي كانت تدعو إلى تحرير الإنسان من العبودية لغير الله، بينما كانت قريش تريد أن تبقى سيدة متسلطة على الناس بكبريائها وغطرستها. أما السبب الثاني فهو أن الإسلام جاء ليغيّر كثيرًا من العادات التي كانت قريش تمارسها مثل عبادة الأصنام والانغماس في الملذات المحرمة، فشعروا أن انتشار الإسلام سيحرمهم من تلك الامتيازات التي اعتادوا عليها.
ثم ختم الشيخ بذكر بعض الأساليب التي استخدمتها قريش لمواجهة الدعوة، فبدأت أولًا بالسخرية من النبي والاستهزاء به لتشويه صورته أمام الناس، حتى ينفروا من دعوته. كما مارست الضغط والتضييق على كل من يدخل في الإسلام، بل كانت تضغط على عشائرهم أيضًا حتى يعاقبوا أبناءهم الذين آمنوا بالنبي. ومن النماذج المؤلمة في ذلك ما حدث مع عائلة ياسر، حيث عُذّبت سمية بنت خياط وزوجها ياسر عذابًا شديدًا بسبب إيمانهم. وكان النبي ﷺ يمر عليهم وهم يعذبون فيقول: “صبرًا يا آل ياسر فإن موعدكم الجنة”. وقد قُتلت سمية على يد أبي جهل بطعنةٍ أودت بحياتها، فكانت أول شهيدة في الإسلام، وبقي اسمها خالدًا في التاريخ مثالًا للثبات على الإيمان والتضحية في سبيل التوحيد.
المجلس الرمضاني ليلة 22 رمضان 1447 هـ / الخطيب الشيخ حسين البلادي

التعليقات (0)