ابتدأ سماحة الشيخ حسين البلادي محاضرته الرمضانية في حسينية الحاج أحمد بن خميس في ليلة التاسع عشر من شهر رمضان المبارك لعام 1447هـ بالحديث عن اهتمام النبي محمد صلى الله عليه وآله بحدث شهادة علي بن أبي طالب عليه السلام. وأوضح أن المتتبع لسيرة النبي والأحاديث المروية عنه يجد أن الرسول أولى هذا الحدث اهتمامًا كبيرًا، إذ لم يكن حديثه عن استشهاد الإمام علي حديثًا عابرًا، بل جاء ضمن نمطين واضحين. النمط الأول يتمثل في إخبار النبي بتفاصيل حادثة الشهادة، فقد تحدث عن القاتل وصفاته وخصائصه، وعن مكان وقوع الحادثة، بل وذكر تفاصيل ما سيجري عند استشهاد الإمام. أما النمط الثاني فيتمثل في تفاعل النبي العاطفي مع هذا الحدث، إذ كان كلما ذكر شهادة علي عليه السلام تأثر وبكى. واستشهد الشيخ برواية خطبة النبي في آخر جمعة من شهر شعبان، وهي الخطبة المعروفة بخطبة استقبال شهر رمضان، حيث سأل الإمام علي النبي عن أفضل الأعمال في هذا الشهر، فأجابه النبي بالورع عن محارم الله، ثم بكى وأخبره بأن أشقى الآخرين سيضربه على رأسه في هذا الشهر حتى تخضب لحيته بدمه، مبينًا أن من قتل عليًا فقد قتل النبي، ومن أحبه فقد أحب النبي.
النقطة الأولى، وهي بيان فلسفة اهتمام النبي بذكر شهادة الإمام علي. وذكر أن لهذا الاهتمام هدفين أساسيين؛ الأول أن النبي أراد ترسيخ مظلومية الإمام علي في أذهان المسلمين، إذ ورد في الروايات قوله: “إنك بعدي مظلوم ومقتول”. وكان الهدف من ذلك إيضاح أن عليًا سيكون في موقع المظلوم، وأن من يقتله سيكون في موقع الظالم، وبالتالي فإن الحق سيكون مع المظلوم. أما الهدف الثاني فهو البعد العاطفي، إذ أراد النبي أن يرسخ في نفوس الناس حالة التعاطف مع الإمام علي وقضيته، ليبقى هذا الحدث حيًا في وجدان المسلمين. كما أشار البلادي إلى سبب آخر لهذا التأكيد النبوي، وهو أن النبي كان يعلم أن هناك إعلامًا معاديًا سيحاول بعد استشهاد الإمام علي قلب الحقائق وتبرير قتله، وربما تصوير قاتله على أنه صاحب حق. واستشهد بما نُقل عن بعض الشعراء مثل عمران بن حطان الذي مدح قاتل الإمام علي، وهو عبد الرحمن بن ملجم، في أبيات شعرية زعم فيها أنه تقرب إلى الله بقتل الإمام. في المقابل ظهرت أصوات أخرى رفضت هذا التزييف ودافعت عن مقام الإمام علي، مؤكدة أنه أفضل الناس بعد النبي وأسبقهم إيمانًا.
وفي النقطة الثانية مسألة التوفيق بين الأخبار التي تحدثت عن استشهاد الإمام علي وبين بعض النصوص التي قد تبدو معارضة لها. فبيّن أن القرآن الكريم أثنى على الإمام علي في مواضع متعددة، ومن ذلك الآية: ﴿ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله﴾ التي نزلت عندما نام الإمام علي في فراش النبي ليلة الهجرة. كما رويت أخبار كثيرة في فضله وشجاعته في ميادين القتال. ومع ذلك نجد روايات أخرى تشير إلى أن الإمام لم يكن يجزم بتفاصيل مقتله. وللتوفيق بين هذه المعاني أشار الشيخ إلى ما روي عن الإمام علي أنه قال: «لولا آية في كتاب الله لأخبرتكم بما كان وما يكون إلى يوم القيامة»، ثم استشهد بقوله تعالى: ﴿يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب﴾، مبينًا أن بعض الأمور قد تكون خاضعة لمشيئة الله وتغييره، وهو ما يُعرف في الفكر الإمامي بمفهوم البداء.
وفي النقطة الثالثة والأخيرة هي الدلالات المستفادة من اهتمام النبي بذكر شهادة الإمام علي. أولًا المدلول المناقبي، أي ما يكشف عن عظمة شخصية الإمام علي، إذ إنه عندما سمع من النبي خبر استشهاده لم يظهر خوفًا أو جزعًا، بل كان يتعامل مع الموت بروح الإيمان واليقين، وكان يقول: «والله لابن أبي طالب آنس بالموت من الطفل بثدي أمه». كما نقلت الروايات أنه كان يردد أشعارًا تدل على استعداده للقاء الله، مؤكدًا أن الموت حق لا مفر منه. أما المدلول الثاني فهو المدلول الأخلاقي، حيث تظهر أخلاق الإمام علي حتى في تعامله مع قاتله. فقد كان يعرف قاتله وصفاته، ومع ذلك رفض أن يقتص منه قبل وقوع الجريمة، وقال: «لا قصاص قبل الجناية». وحتى بعد أن ضُرب أمر أبناءه أن يحسنوا إلى قاتله في طعامه وشرابه، وأوصى ابنه الحسن بن علي إن مات من ضربته أن يقتص منه بضربة واحدة دون تمثيل، لأن المثلة محرمة حتى في حق الأعداء.وختم البلادي ببيان المدلول العملي لهذا الاهتمام النبوي، وهو مشروعية الحزن والبكاء والتعزية في مصاب الإمام علي عليه السلام، إذ إن النبي نفسه بكى عندما ذكر استشهاده. ومن هنا فإن إحياء ذكرى استشهاد الإمام والبكاء عليه يعد تعبيرًا عن الولاء والمحبة لأمير المؤمنين، وامتدادًا لما جسده النبي من تفاعل عاطفي مع هذه المصيبة العظيمة.
المجلس الحسيني بمشاركة الشيخ حسين البلادي ليلة ضربة أمير المؤمنين (ع) عام 1447/2025

التعليقات (0)