ابتدأ سماحة الشيخ حسين البلادي سلسلة محاضراته الرمضانية في حسينية الحاج أحمد بن خميس في ليلة السابع من شهر رمضان المبارك لعام 1447هـ، حيث استهل المجلس بتلاوة الآيات المباركة: ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق * خلق الإنسان من علق * اقرأ وربك الأكرم * الذي علّم بالقلم﴾، ثم أكد أن برنامج هذه المجالس في هذا الموسم يقوم على استعراض سيرة النبي محمد صلى الله عليه وآله منذ بعثته الشريفة حتى هجرته إلى المدينة المنورة. وأشار إلى أن هذا المسار قد تعترضه بعض الليالي المرتبطة بالمناسبات الدينية مثل ليالي استشهاد الإمام علي بن أبي طالب وليالي القدر، ومع ذلك سيُحاول الاستمرار في الحديث عن السيرة النبوية ضمن ما يسمح به الوقت. ثم بيّن أن حديث هذه الليلة سيكون حول بعثة النبي (ص) ، من خلال ثلاث نقاط أساسية.
في النقطة الأولى تناول الشيخ الآيات التي افتتح بها المجلس، وهي الآيات الأولى من سورة العلق، موضحًا أنها آيات مكية نزلت على قلب النبي في مكة المكرمة، كما أكد أن الروايات الواردة في فضل هذه الآيات كثيرة، ويمكن الرجوع إلى كتب التفسير للاطلاع عليها بتفصيل أكبر.أما النقطة الثانية فتناولت سبب نزول هذه الآيات، حيث اتفق المفسرون من مختلف المذاهب على أنها نزلت على النبي (ص) وهو في غار حراء. وبيّن الشيخ أن غار حراء يقع شمال شرق مكة المكرمة على قمة جبل يشرف على منطقة منى، ويتميز بمواصفات خاصة؛ ثم طرح سؤالًا حول سبب توجه النبي إلى هذا الغار للعبادة، ولماذا لم يكتفِ بالتعبد في بيته. وأوضح أن لذلك عدة أهداف، منها أن الله تعالى حبّب إلى النبي الخلوة والابتعاد عن ضجيج مكة وقريش، فكان يذهب إلى الغار ليتحنث، أي ليتعبد ويتأمل. وقد قيل في بعض الروايات إن أول من سنّ التحنث والتعبد بهذه الطريقة هو عبد المطلب.كما بيّن أن من أسباب ذهاب النبي إلى غار حراء رغبته في الابتعاد عن أجواء الوثنية التي كانت تسود المجتمع المكي، حيث كان الناس يعبدون الأصنام والأوثان، فاختار مكانًا طاهرًا بعيدًا عن تلك الممارسات. ومن الأهداف أيضًا التأمل في عظمة الله تعالى من خلال النظر في خلق السماوات والأرض والنجوم والجبال، إضافة إلى التهيؤ الروحي والنفسي لاستقبال الوحي الإلهي، إذ إن نزول الوحي يحتاج إلى حالة خاصة من الصفاء الروحي والاستعداد النفسي.
ثم انتقل الشيخ إلى مناقشة مسألة كيفية نزول الوحي على النبي (ص) ، مشيرًا إلى وجود اختلاف بين الروايات في هذا الموضوع. فتطرق إلى الرواية المشهورة في بعض المصادر الحديثية التي تصف نزول الوحي على النبي في غار حراء بصورة شديدة، حيث يُذكر أن المَلَك أمر النبي بالقراءة وضغط عليه ثلاث مرات. وبيّن أن هذه الرواية تثير عدة تساؤلات، منها أن النبي لو لم يكن مطمئنًا إلى مصدر الوحي، فكيف يمكن للناس أن يطمئنوا إلى رسالته؟ كما أن تصوير النبي في حالة خوف شديد يتعارض – بحسب رأيه – مع الحكمة الإلهية التي تقتضي أن يهيئ الله رسوله للرسالة بالسكينة والطمأنينة.وفي مقابل ذلك عرض الشيخ الروايات الواردة عن أئمة أهل البيت، ومنها ما رُوي عن الإمام جعفر الصادق (ع)، والتي تؤكد أن الله إذا أراد أن يتخذ عبدًا رسولًا أنزل عليه السكينة والطمأنينة، وقدّم له الدلائل والبراهين التي تجعله على يقين من مهمته. وذكر في هذا السياق حوارًا بين الإمام الصادق وأحد أصحابه وهو زرارة بن أعين، حيث أوضح الإمام أن الأنبياء يُكشف لهم الغطاء عن حقائق الأمور، فيدركون مقامهم الرسالي ويعلمون يقينًا أنهم مرسلون من الله تعالى.
وفي النقطة الثالثة والأخيرة تناول الشيخ مسألة تاريخ بعثة النبي ونزول القرآن الكريم، مبينًا أن هناك اتفاقًا واسعًا بين علماء المسلمين على أن أول ما نزل من القرآن هو قوله تعالى: ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق﴾. غير أن الاختلاف وقع في مسألة العلاقة بين بداية البعثة وبداية نزول القرآن. فبعض العلماء يرى أن بعثة النبي تزامنت مع نزول القرآن، بينما يرى علماء الإمامية أن البعثة حدثت أولًا، ثم نزل القرآن بعد ذلك بفترة. وبحسب الرأي المشهور عندهم فإن بعثة النبي كانت في السابع والعشرين من شهر رجب، أما نزول القرآن فقد كان في ليلة القدر من شهر رمضان، استنادًا إلى قوله تعالى: ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر﴾.كما أشار الشيخ إلى أن هذا التفريق بين البعثة ونزول القرآن له شواهد في قصص الأنبياء، فالنبي موسى عليه السلام بُعث بالرسالة أولًا، ثم نزلت عليه التوراة بعد ذلك، وكذلك الحال مع النبي عيسى عليه السلام الذي بُعث قبل نزول الإنجيل عليه. وختم المجلس بالتأكيد على ضرورة التمييز بين هذين الحدثين في سيرة النبي، مبينًا أن بعض الخلط التاريخي أدى إلى اعتقاد شائع بأن ليلة السابع والعشرين من رجب هي ليلة الإسراء والمعراج، بينما يرى أن هذه الليلة هي ليلة بعثة النبي (ص)، وأن حادثة الإسراء والمعراج وقعت في وقت آخر. وفي ختام حديثه شدد على أن دراسة السيرة النبوية بدقة تساعد على فهم مسار الرسالة، وأن كثيرًا من الإشكالات التاريخية جاءت نتيجة اختلاف الأمة في اتباع الطريق الذي رسمه الله ورسوله.
المجلس الرمضاني ليلة 17 من شهر رمضان المبارك 1447 هـ / الخطيب الشيخ حسين البلادي

التعليقات (0)