شارك هذا الموضوع

السيد محمد الهاشمي ليلة (10) من شهر رمضان المبارك 1447 هـ

واصل سماحة السيد محمد الهاشمي مجالسه الرمضانية في حسينية الحاج أحمد بن خميس في الليلة العاشرة من شهر رمضان المبارك لعام 1447هـ تحت عنوان “بين الاستضعاف والاستخلاف.. سنة لا تتبدل”، فاستهل المجلس بالحمد والثناء والصلاة على رسول الله وآله، ثم انتقل إلى بيان قاعدة أساسية في السنن الإلهية، وهي أن كثيرًا من تقديرات الله عز وجل تكون مشروطة بشروط؛ فإذا تحققت الشروط تحقق المقدر، وإذا تخلّفت تأخر الأثر أو انتقل إلى غير صاحبه. وضرب مثالًا لتقريب الفكرة، أن دعاء الإنسان قد يكون قد استُجيب في علم الله، لكن تفعيل أثره ووصول نتيجته إليه قد يكون مشروطًا بخطوة أخرى، كزيارة وليٍّ من أولياء الله أو أداء عملٍ معين. فالأصل قد تحقق، لكن الاستلام مؤجل إلى حين أداء الشرط.

ومن هنا انتقل إلى قصة بني إسرائيل، حين قال لهم نبي الله موسى عليه السلام: ﴿ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم﴾، مبينًا أن “كتب الله لكم” ليست وعدًا مطلقًا غير قابل للنقض، بل وعد مشروط. وقد بيّن موسى بنفسه تلك الشروط بقوله: ﴿استعينوا بالله واصبروا﴾؛ فالاستخلاف مرتبط بالاستعانة الحقيقية بالله، أي السير وفق تشريعاته وطاعة وليّه، ومرتبط بالصبر على التضحيات والمشاق. فإن التزموا تحققت الوراثة، وإن انحرفوا انتقل الوعد إلى جيلٍ آخر. وهذا ما وقع فعلًا؛ فالجيل الذي آذى موسى لم تتوفر فيه الشروط، فحُرم الدخول وتاه أربعين سنة، ثم تحقق الوعد في الجيل الذي نشأ في الصحراء، بعيدًا عن ثقافة فرعون، فدخل الأرض مع يوشع بن نون. وبيّن أن القرآن حين قال: ﴿وأورثنا القوم الذين كانوا يُستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها﴾ لم يقل “بني إسرائيل”، بل عبّر بصفة الاستضعاف، ليقرر أن هذه سنة عامة لا تختص بقوم دون قوم؛ فكل مستضعف يلتزم بشروط الصبر والاستعانة يُورَّث الأرض. غير أن الامتحان بعد التمكين أشد من الامتحان حال الاستضعاف؛ فالقدرة تُظهر ما في النفوس، وتكشف محمود الصفات ومذمومها. قد يصبر الإنسان على الضيق، لكنه إذا مُنح المال أو المنصب أو النفوذ انكشف جوهره.

وهنا بدأ فصل الانحراف عند بني إسرائيل؛ فبعد أن صار لهم سلطان وقضاء ومال، انتشرت فيهم الرشوة والربا وأكل أموال الناس بالباطل، وبدأ تحريف الدين أولًا في تفسيره، ثم امتد إلى ألفاظه، حتى غلب الفسق على أكثرهم، كما عبّر القرآن: ﴿ومنهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون﴾. وصار كثير من الأحبار والرهبان يسايرون أهواء الناس، يفتون بما يوافق رغباتهم، فكانت النتيجة أن يُقصى المصلحون ويُتّهموا، بل يُقتل بعضهم، كما قال تعالى: ﴿كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم فريقًا كذبوا وفريقًا يقتلون﴾. إنها آلية سقوط تتكرر حين يُقدَّم الهوى على الحق، وحين يُبحث عمن يبرر لا عمن يُصلح. ومن هذا العرض انتقل إلى التطبيق على واقع الأمة، مؤكدًا أن الانحراف يبدأ تدريجيًا من اتباع الهوى؛ يبحث الإنسان عمّن يحلل له ما يريد، ولو لم يكن من أهل العلم، ويُقصي من يذكّره بالحكم الشرعي لأنه لا يوافق رغبته. وهكذا يُقتل المصلح معنويًا بتشويه سمعته، إن لم يُقتل جسديًا. وذكّر بكلام السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام حين أشارت إلى أن التحول وقع بعد الفتوحات، حين مالت النفوس إلى الدعة وجمع الدنيا، فكان الانحدار نتيجة طبيعية لتبدل القيم.

ثم ختم بالعودة إلى سيرة السيدة خديجة بنت خويلد عليها السلام مثالًا مضادًا؛ فقد بلغت من الثراء مبلغًا عظيمًا، حتى قيل إنها كانت تملك نسبة كبيرة من ثروة مكة، ومع ذلك لم تُفسدها القدرة المالية، بل سخّرتها في نصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله، حتى قال: «ما نفعني مالٌ مثل مال خديجة». ولو كان في مالها شبهة حرام لما مدحه بهذا الإطلاق. لقد تعاملت بالتجارة وفق الضوابط الشرعية، وتحملت المقاطعة في شعب أبي طالب، وأنفقت مالها كله في سبيل الدعوة، حتى خرجت من الدنيا وليس تحت رسول الله إلا كساء واحد ينامان عليه.واستعرض ما ورد في فضلها، وأن الجنة اشتاقت إلى أربع من النساء: مريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة الزهراء، مبينًا أن هذا التعبير يكشف علو منزلتهن. وهكذا خلص المجلس إلى أن سنة الله بين الاستضعاف والاستخلاف لا تتبدل؛ فالاستخلاف مشروط، والقدرة امتحان، ومن لم يحفظ قلبه عند التمكين سقط كما سقط من قبله، أما من ثبت على المبدأ وبذل ما يملك لله، كما فعلت خديجة، فإنه يرتقي حتى تشتاق إليه الجنة.

التعليقات (0)

شارك بتعليقك حول هذا الموضوع

شارك هذا الموضوع