واصل سماحة السيد محمد الهاشمي مجالسه الرمضانية في حسينية الحاج أحمد بن خميس في الليلة التاسعة من شهر رمضان المبارك لعام 1447هـ تحت عنوان “انتهى التيه ولم ينتهِ اللجاج”، مستعرضًا جانبًا آخر من سيرة بني إسرائيل مع نبي الله موسى عليه السلام، ومبينًا أن التيه الذي دام أربعين سنة لم يكن نهاية مظاهر العناد، بل كان محطة من محطات طويلة في تاريخ اللجاج وإيذاء الأنبياء. ابتدأ المجلس بالتذكير بأن الله عز وجل بعث موسى لإنقاذ بني إسرائيل من بطش فرعون، فحررهم من العبودية وسار بهم نحو الأرض المقدسة، غير أن مسيرتهم لم تخلُ من الاعتراضات والإيذاء. ومع كل ما أبداه موسى من صبر وحلم وسعة صدر، بلغ الأمر أن دعا ربَّه بقوله: ﴿رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين﴾، فكان التيه أربعين سنة نتيجة طبيعية لانفصال الأمة عن قيادة نبيها.
ثم انتقل إلى قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيهًا﴾، مبينًا أن الآية تحذير للمؤمنين من تكرار نمط إيذاء الأنبياء. وتساءل: ما هو الأذى المقصود هنا؟ فذكر أن بعضه قد مرّ سابقًا، من طلب رؤية الله جهرة، وعبادة العجل، وقولهم: ﴿فاذهب أنت وربك فقاتلا﴾، وغير ذلك من صور التمرد. لكن المفسرين ذكروا أيضًا اتهامات أخرى. وتطرق إلى ما ورد في بعض كتب التفسير من روايات إسرائيلية نسبت إلى موسى تهمًا تمس مقام النبوة، كالرواية المشهورة التي أخرجها بعضهم في كتب الحديث، وفيها أن بني إسرائيل اتهموه بعيب في جسده، وأن الله برأه بطريقة يُفهم منها كشف جسده أمامهم. وأوضح أن مثل هذه الروايات لا تُقبل، لأنها تمس عصمة النبي وكرامته، ولا يليق أن تكون تبرئته بهتك حرمته، خصوصًا وهو من أولي العزم وكليم الله.
وأشار إلى موقف العالم الجليل السيد المرتضى في كتابه “تنزيه الأنبياء”، حيث رفض هذه الروايات، وذكر احتمالًا آخر لتفسير الآية، مستندًا إلى ما رُوي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، من أن بني إسرائيل اتهموا موسى بقتل أخيه هارون بعدما توفي على الجبل، وقالوا: قتلته لأنه كان ألين لنا منك. فبرأه الله بأن أظهر لهم حقيقة وفاة هارون. وذُكر أيضًا احتمال أن يكون الاتهام متعلقًا بمرض في الجلد كالبَرَص، فبرأه الله منه دون ما ورد في تلك التفاصيل المستهجنة. والجامع في ذلك أن مقام النبوة منزه عن كل ما يسيء إليه. ومن هنا عاد إلى وصف حال بني إسرائيل في التيه، مبينًا أن الاتهام لم يكن حادثة عابرة، بل يعكس نمطًا متجذرًا من الشك وسوء الظن والعناد. واستشهد بقصة البقرة في سورة البقرة، حيث قُتل رجل منهم وكادوا يقتتلون، فأمرهم الله على لسان موسى أن يذبحوا بقرة. ولو امتثلوا من أول مرة لكفتهم أي بقرة، لكنهم شددوا على أنفسهم بكثرة الأسئلة: ما هي؟ ما لونها؟ ما صفتها؟ حتى انتهى بهم الأمر إلى أوصاف دقيقة ضيّقت عليهم الخيارات. ولم يكن السؤال طلبًا للهداية، بل بحثًا عن مخرج وتعقيدًا للأمر.
وبيّن أن هذا النموذج يتكرر حين يسأل الإنسان لا ليتعبد بالحكم، بل ليتهرب منه، فيبحث عن ثغرة أو رخصة أو فتوى توافق هواه. فالإنسان “على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره”، وهو أعلم بنيته حين يكثر التفاصيل ليصل إلى الجواب الذي يريده سلفًا. ثم أشار إلى بعض الدروس الأخلاقية في قصة البقرة، ومنها ما ورد في الروايات من أن البقرة كانت لشاب بارٍّ بوالده، فكان برّه سببًا في أن يرزقه الله خيرًا عظيمًا. فالطاعة وبر الوالدين قد يفتحان أبواب رزق لا تخطر على البال. وانتقل إلى مرحلة ما بعد التيه، حيث دخل الجيل الجديد الأرض المقدسة بقيادة يوشع بن نون، بعد أن مات موسى وهارون في التيه. فكان جيلًا تربّى في الصحراء على الشدة والاعتماد على الله، لا على روح الاستعباد السابقة. ومع ذلك، بقي في بعضهم أثر اللجاج؛ إذ أُمروا أن يدخلوا القرية قائلين: ﴿حِطَّة﴾ أي اغفر لنا، وأن يدخلوا الباب سُجّدًا تواضعًا، فبدّل بعضهم القول والفعل، فأنزل الله عليهم رجزًا من السماء.
وتوقف عند سؤال: لماذا لم يستأصلهم الله منذ البداية رغم كثرة عصيانهم؟ وذكر ما ورد في بعض الروايات من أن الله لم ينزل العذاب العام على من علم أن في ذريته من سيوحده ويؤمن برسوله محمد صلى الله عليه وآله، ويعرف ولاية وصيه. فلو استؤصلوا لضاعت تلك الذراري المؤمنة التي ستخرج من أصلابهم. واستشهد بالآية: ﴿لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابًا أليمًا﴾، أي لو أمكن فصل الكافرين عن المؤمنين في أصلابهم لاستحقوا الاستئصال، لكن الحكمة الإلهية اقتضت الإمهال والاستبدال بدل الاستئصال.
وختم بالحديث عن معنى الاستبدال، مستندًا إلى ما رُوي عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام في تفسير قوله تعالى: ﴿ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم﴾، إذ قال: كُتبت لهم ثم مُحيت، ثم كُتبت لأبنائهم، مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب﴾. فالجيل الأول حُرم بسبب عناده، واستُبدل بجيل آخر قام الليل وقرأ التوراة وتضرع إلى الله حتى استحق الدخول. وهكذا خلص المجلس إلى أن التيه قد ينتهي زمنًا، لكن اللجاج قد يبقى ما لم يُعالَج في القلب، وأن أخطر ما يواجه الأمم ليس قلة الموارد، بل روح العناد وسوء الظن بقيادتها الإلهية. وأن الدعاء في شهر رمضان: “ولا تستبدل بنا غيرنا” ليس جملة عابرة، بل خوف من أن نفقد موقعنا كما فقده من قبلنا حين آذوا وليّ زمانهم، فاستُبدلوا بغيرهم.
السيد محمد الهاشمي ليلة (9) من شهر رمضان المبارك 1447 هـ

التعليقات (0)