شارك هذا الموضوع

السيد محمد الهاشمي ليلة (8) من شهر رمضان المبارك 1447 هـ

واصل سماحة السيد محمد الهاشمي مجالسه الرمضانية في حسينية الحاج أحمد بن خميس في الليلة الثامنة من شهر رمضان المبارك لعام 1447هـ تحت عنوان “ادخلوا الأرض المقدسة”، مكمّلًا الحديث عن مسيرة بني إسرائيل بعد فتنة العجل والتوبة العسيرة التي فُرضت عليهم. فقد رجع النبي موسى عليه السلام إلى قومه غضبان أسِفًا، وألقى الألواح، وأخذ برأس أخيه هارون يجرّه إليه، وواجه السامري وأحرق عجله ونسفه في اليم، فكانت صدمة عنيفة هزّت وجدان القوم. عندها – كما يعبّر القرآن – ﴿ولما سقط في أيديهم﴾ أي لما أدركهم الندم ورأوا ضلالهم، قالوا: ﴿لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين﴾، فشعروا أن الذنب عظيم وأن مجرد الاعتذار لا يكفي لتطهير نفوس لوّثتها عبادة العجل بعد كل ما شاهدوه من آيات.

فجاءت التوبة بصورة لم تُفرض على أمة أخرى، إذ قال لهم موسى: ﴿فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم﴾، والمقصود ليس الانتحار، بل أن يقتل بعضهم بعضًا ممن تورّط في عبادة العجل، لأن المؤمنين كالنفس الواحدة. وتذكر الروايات أنهم اغتسلوا ولبسوا الأكفان في ليلة مظلمة، وأُمروا أن يضرب بعضهم بعضًا بالسيوف، حتى قيل إن عددًا كبيرًا سقط، ثم جاءهم العفو الإلهي وقُبلت توبتهم. وذهب بعض المفسرين إلى أن الأمر كان امتحانيًا كأمر ذبح إسماعيل، فلما صدقوا في العزم رفع الله عنهم القتل. وعلى أي حال، كانت توبة قاسية بثلاثة أوجه: فقدان النفس، وفقدان القريب، والقتل بيد الأخ، لكنها كشفت أن فيهم قابلية للرجوع ولو بعد سقوط عظيم.

بعد قبول التوبة كان الهدف الأصلي من الميقات حاضرًا من جديد، وهو تسلّم الشريعة وبناء الأمة على أساس الألواح التي تلقّاها موسى، لتتهيأ لدخول الأرض المقدسة. غير أن بني إسرائيل استثقلوا الالتزام، فجاء التهديد برفع الطور فوقهم: ﴿خذوا ما آتيناكم بقوة﴾. اختلفت الأقوال هل بقي الجبل مرفوعًا أيامًا أم كانت لحظة تهديد خاطفة، لكن الثابت أنهم سجدوا على شق وجوههم يرقبون الجبل خشية أن يقع عليهم، وقالوا بألسنتهم: سمعنا وأطعنا، بينما يكشف القرآن أنهم أضمروا العصيان. وهنا استُخلص درسٌ عام: أن الشدائد التي تنزل بالإنسان قد تكون “طورًا” مرفوعًا فوق رأسه ليعود إلى الله، لا عقوبة محضة بل دعوة للضراعة، كما قال تعالى: ﴿لعلهم يتضرعون﴾. ثم انتقل الحديث إلى مشهد جديد من سورة المائدة، حين قال موسى لقومه: ﴿يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم﴾، فذكّرهم بأن الله جعل فيهم أنبياء، وجعلهم ملوكًا، وآتاهم ما لم يؤتِ أحدًا من العالمين. وفسّر “وجعلكم ملوكًا” بأنهم صاروا أحرارًا يملكون زمام أمورهم بعد استعباد فرعون، لا أنهم جميعًا صاروا ملوك حكم. ثم جاء الأمر الصريح: ﴿ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين﴾، أي أن الوعد مشروط بعدم الارتداد والعصيان. فليست الكتابة مطلقة بلا قيد، بل مرتبطة بالطاعة والثبات.

لكن الرد جاء مخيبًا: ﴿إن فيها قومًا جبارين﴾، ورفضوا الدخول ما داموا فيها، بل قالوا الكلمة الأشد وقاحة: ﴿فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون﴾. تجاهلوا صوت الرجلين الصالحين – يوشع بن نون وكالب بن يوفنا – اللذين قالا: ﴿ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين﴾، فبيّنا أن النصر مشروط بالحركة لا بالقعود، وأن التوكل يأتي بعد المبادرة لا بدلها. لكن الخوف ضخّم صورة العدو في أعينهم، فآثروا السلامة الآنية على الوفاء بالوعد الإلهي. عندها قال موسى: ﴿رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين﴾، فجاء الحكم الإلهي: ﴿فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض﴾. التيه لم يكن مجرد عقوبة مكانية، بل مرحلة تربية قاسية لجيل جديد لم يتشرب روح العبودية والخوف، جيل يتربى في الصحراء على الاعتماد على الله لا على الحسابات المادية وحدها.

وخُتم المجلس بالمقارنة بين مواقف تاريخية متباينة؛ فكما قال بعض بني إسرائيل: ﴿فاذهب أنت وربك فقاتلا﴾، قال أصحاب النبي محمد في بدر: لا نقول كما قالت بنو إسرائيل، بل نقاتل عن يمينك وشمالك وبين يديك. وهكذا يبقى الدرس متجددًا: أن الوعد الإلهي بالنصر والاستخلاف مشروط بالإيمان والعمل والجهاد، وأن أعظم ما يُسقط الأمم ليس قلة الإمكانات، بل روح القعود حين يُطلب منها أن تدخل “الباب”.

التعليقات (0)

شارك بتعليقك حول هذا الموضوع

شارك هذا الموضوع