واصل سماحة السيد محمد الهاشمي مجالسه الرمضانية في حسينية الحاج أحمد بن خميس في الليلة السادسة من شهر رمضان المبارك لعام 1447هـ تحت عنوان “لكلّ أمة سامريّ”. وانطلق في حديثه من مرحلة ما بعد جور فرعون على بني إسرائيل، حين وعدهم النبي موسى عليه السلام بأن الله سيخلّصهم ويوصلهم إلى الأرض المقدسة الموعودة. لكنه بيّن أن الوصول إلى الأرض المقدسة لا يعني مجرد انتقال مكاني من مصر إلى بقعة أخرى، بل هو انتقال معنوي يوازي الانتقال الجغرافي، لأن تحقق الوعد الإلهي يحتاج إلى أمة مؤهَّلة للاستخلاف، لا مجرد أناس خرجوا من أرض الظلم. فالخروج الحقيقي لم يكن من مصر فقط، بل من ترسبات مصر وثقافة فرعون العالقة في القلوب.
ومن هنا فسّر الابتلاءات التي رافقت خروجهم لا بوصفها عقوبات مباشرة، بل باعتبارها فتنًا تربوية واختبارات لصقل الشخصية وكشف مواطن الضعف. انشقاق البحر، وإنزال المنّ والسلوى، وتظليل الغمام، وطلبهم: اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة، وقول الخواص: أرنا الله جهرة، ثم فتنة العجل التي سقط فيها العوام، كلها كانت محطات كاشفة. واستشهد بتعبير القرآن: ﴿فإنا قد فتنا قومك من بعدك﴾، موضحًا أن الفتنة في أصل معناها تشبه فتنة الذهب؛ إذ يُوضَع في النار ليُعرَف مستواه وتُنقّى شوائبه. فهذه الفتن عرّفت كل واحد منهم بموضعه، وميّزت الخبيث من الطيب، حتى يُطرَد من لا يصلح لحمل المشروع قبل بلوغ المنحة الكبرى.
وبيّن أن هذا القانون ليس خاصًا ببني إسرائيل، بل هو سنّة إلهية جارية، كما تُذكر الفتن التي تسبق ظهور صاحب العصر والزمان، فهي أيضًا لتمييز الصفوف وتطهير القلوب. فليس كل سقوط عقوبة خالصة، بل قد يكون فرصة لإعادة البناء. ولذلك خاطب موسى ربَّه بقوله: ﴿إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء﴾، طالبًا المغفرة والرحمة وكتابة الحسنة في الدنيا والآخرة، معلنًا التوبة والرجوع، في مشهد يكشف سعة رحمة الله وحلم موسى على قومه. ثم دخل في صلب العنوان: “لكل أمة سامريّ”، متسائلًا عن نقاط الضعف التي استغلها السامري ليضل القوم. وأوضح أن أول هذه النقاط هو التأثر السريع بالمؤثرات الحسية والفنية؛ فقد استخدم السامري الذهب ببريقه، والصوت بخواره، والإخراج المفاجئ للعجل في لحظة درامية، بل واستعمل الحيلة والخداع، حتى نُقل في بعض الروايات أنه وضع العجل قرب جدار وحفر خلفه حفرة أجلس فيها أعوانًا يُصدرون الأصوات، فيظن الناس أن العجل يتكلم. إنها حرب ناعمة مبكرة، استطاعت خلال أيام قليلة أن تُسقط عشرات الآلاف ممن صبروا سنين على بطش فرعون.
النقطة الثانية فكانت قدرته على إعادة صياغة الدين لا إلغائه؛ فلم يدعُهم إلى ترك التوحيد صراحة، بل قال: هذا إلهكم وإله موسى، فجمع لهم بين الدين والدنيا، وبين الذهب والقداسة، وأعطاهم قراءة منسجمة مع هوى النفس. وهنا استحضر رواية عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام حين قال: «أما إن لكل قوم سامريًا»، مشيرًا إلى من يستغل الدين ليقدّم نسخة مريحة بلا جهاد ولا مواجهة، دينًا يساير الأهواء ويُسقِط التكاليف الثقيلة. النقطة الثالثة كانت استغلال لحظة الفراغ والضياع؛ فحين غاب موسى وانتشر الاضطراب، بادر السامري سريعًا، ولم ينتظر إمكانات ضخمة، بل استخدم ما توفر لديه من مهارة وصياغة وأعوان قلائل، فصنع جمهورًا واسعًا. وفي هذا درس حتى لأهل الحق أن يبادروا في الفرص، لأن الفراغ إن لم يُملأ بالهداية ملأه الضلال.النقطة الرابعة فهي ضعف الدافع الذاتي؛ إذ كان صلاح كثير منهم مرتبطًا بهيبة موسى وتأثيره الخارجي، فلما غاب اهتزّ الداخل. فالإيمان الذي يعتمد على الجو العام أو الشخصية المؤثرة قد ينهار بزوالها، بينما الإيمان الراسخ هو ما ينبع من القلب ولو غاب المؤثر.
ثم وصل إلى الجذر الأعمق لكل هذه النقاط، وهو قوله تعالى: ﴿وأُشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم﴾، مبيّنًا أن التعبير القرآني لم يقل “شربوا”، بل “أُشربوا”، وكأن جهةً ما غذّت فيهم هذا الحب حتى صار العجل ممتزجًا بقلوبهم. فالمشكلة لم تكن في قوة خوار العجل مقارنة بمعجزات موسى، بل في أن هوى النفس كان أقرب إلى العجل. الإنسان في اللحظات الحاسمة يختار بناءً على ما أُشرب في قلبه، لا على ما حفظه بلسانه.
وختم المجلس بتحويل المعادلة إلى جانب إيجابي، داعيًا إلى أن يُشرب القلب حب الله وأهل البيت بدل حب العجل. فكما أن حب الدنيا قد يطغى، فإن تكرار حضور المجالس والزيارة والبكاء يمكن أن يُثبّت في القلب حب الحسين وأهل البيت عليهم السلام، حتى إذا جاءت ساعة القرار أو ساعة الاحتضار، كان الاختيار تلقائيًا نحوهم. واستشهد برواية عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام في مشهد قبض روح المؤمن، حين يُبشَّر برؤية النبي وأهل بيته فيطمئن قلبه، لأن ما أُشرب فيه في الدنيا هو الذي يحكمه في الآخرة. وهكذا انتهى المجلس إلى أن أخطر الأصنام ليست تلك المصنوعة من ذهب، بل تلك المغروسة في القلب، وأن نجاة الإنسان تكون بتطهير الداخل، حتى لا يجد سامريّ زمانه مدخلًا إلى نفسه.
السيد محمد الهاشمي ليلة (6) من شهر رمضان المبارك 1447 هـ

التعليقات (0)