واصل سماحة السيد محمد لهاشمي سلسلة مجالسه الرمضانية بحسينية الحاج أحمد بن خميس في الليلة الخامسة من شهر رمضان المبارك لعام 1447هـ ، وتحت عنوان " ثمّ اتخذتم العجل " ، تحدّثنا عن قصص بني إسرائيل حتى وصلنا إلى المرحلة التي نحن فيها الآن. وبيّنا أن بني إسرائيل هم أبناء النبي يعقوب عليه السلام، وقد خرجوا من أرض كنعان إلى مصر في زمن يوسف عليه السلام. ثم تغيّر الحكم في مصر وجاء الفراعنة، فتسلّطوا عليهم وأوقعوهم في الضيق والاضطهاد، حتى اشتدّ البلاء عليهم فدعوا الله بالفرج. وعدهم الله بالخلاص على يد كليمه موسى عليه السلام. موسى وعدهم أن الله سينجيهم ويورثهم الأرض، لكنهم قالوا: أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا، فقد رأوا أن الشدائد ما زالت مستمرة. فأمرهم بالصبر والاستعانة بالله، مؤكداً أن العاقبة للمتقين.
ثم جاءت ليلة الخروج الكبرى، فأمر الله موسى أن يسري ببني إسرائيل ليلاً، فانفلق لهم البحر، ونجاهم الله من فرعون. وبعد النجاة واجهوا تحديات خارجية: العطش، الجوع، وحرّ الشمس. هذه كلها عالجها الله بالمعجزات: تفجير الماء من الحجر، إنزال المنّ والسلوى، وتظليل الغمام. لكن بقيت المشكلة الأخطر: الترسبات الفكرية من زمن فرعون. هذه لا تُعالج بمعجزة، لأن القاعدة الإلهية تقول: ﴿إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم﴾. لذلك وعد الله موسى أربعين ليلة في الميقات ليُعدّ نخبة من القوم، ويعود بالألواح التي تحمل المنهج الإلهي. هنا انقسم المشهد إلى قسمين: المشهد الأول: موسى مع السبعين الذين طلبوا رؤية الله جهرة، فأخذتهم الصاعقة ثم بعثهم الله من جديد. المشهد الثاني: القوم الذين بقوا مع أخيه هارون عليه السلام، وهنا وقعت فتنة السامري.
قصة السامري ذُكرت في أربع سور، لكن التفصيل الكامل جاء في سورة طه. استغل السامري غياب موسى، وجمع الحلي التي كانت معهم، وصنع عجلاً له خوار، وحرّك الناس بطريقة جماعية حتى قالوا: هذا إلهكم وإله موسى. عند رجوع موسى غضبان أسِفاً، ألقى الألواح تعبيراً عن شدة غضبه لله، ووبّخ قومه، ثم سأل هارون. هارون بيّن أنه خشي وقوع الفتنة وسفك الدماء، فآثر الانتظار حتى يرجع موسى. قبل موسى عذره، ثم واجه السامري مباشرة. أنزل موسى على السامري أربع عقوبات: الإقصاء، والعزلة (لا مساس)، ووعيد الآخرة، ثم نسف العجل في البحر. فلم يكتفِ بإبعاد رأس الفتنة، بل أزال أداة الفتنة أيضاً حتى لا يبقى لها أثر.
وفي الختام بيّنا الفرق بين موقف موسى وموقف هارون: موسى كان مبسوط اليد، مهابا مطاعاً، فاستطاع أن يحسم الموقف بقوة. أما هارون فكان مستضعفاً، لم يكن يملك الأنصار الكافين، فتصرف بالحكمة وانتظار عودة القائد . المشكلة ليست دائماً في المعجزات أو الظروف الخارجية، بل في القابلية الداخلية للانحراف. والقيادة تحتاج قوة وهيبة حتى تستطيع أن تستأصل الفتنة من جذورها، لا أن تعالج مظاهرها فقط.
السيد محمد الهاشمي ليلة (5) من شهر رمضان المبارك 1447 هـ

التعليقات (0)