واصل سماحة السيد محمد الهاشمي سلسلة مجالسه الرمضانية بحسينية الحاج أحمد بن خميس في الليلة الرابعة من شهر رمضان المبارك لعام 1447هـ ، وتحت عنوان " أرنا الله جهرة " كان المحور الأساسي في هذه الليلة هو أن المشكلات الفكرية والعقائدية والثقافية ليست مثل المشكلات السياسية أو الاقتصادية أو المعيشية. فالمشكلة السياسية يمكن أن تُحلّ بثورة، والمشكلة المعيشية يمكن أن تُحلّ بمعجزة أو بتوفير احتياجات الناس. لكن الانحراف في التفكير والعقيدة لا يُعالج بضربة عصا ولا بنزول منٍّ وسلوى، لأن الله تعالى يقول: ﴿إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم﴾. فالتغيير الحقيقي يبدأ من الداخل، من طريقة التفكير. في قصة النبي موسى عليه السلام بعد عبور البحر، واجه بنو إسرائيل أربع مشكلات: العطش، الجوع، حرارة الشمس، ثم المشكلة الأخطر وهي الترسبات الفكرية التي تربّوا عليها في زمن فرعون. المشكلات الثلاث الأولى عالجها الله بالمعجزات: تفجير الماء من الحجر، إنزال المنّ والسلوى، وتظليل الغمام. أما المشكلة الرابعة — النظرة المادية الحسّية — فلم تُحلّ بالمعجزة، لأنها مرتبطة بالعقل والقلب.
عندما قالوا: ﴿اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة﴾، ظهر بوضوح أن القوم ما زالوا أسرى الفكر الوثني. لذلك جاء المشروع الإلهي: أربعون ليلة من الإعداد والتربية. قال تعالى: ﴿وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر﴾. واختار موسى سبعين رجلًا من نخبة القوم ليدخلوا في برنامج إصلاحي مكثّف، حتى يكونوا نواة صالحة تُربّي بقية الناس.في الميقات، طلب موسى من الله: ﴿رب أرني أنظر إليك﴾. وهنا نبيّن أن المقصود ليس الرؤية البصرية، لأن الله ليس جسدًا يُرى بالعين، بل المقصود الرؤية القلبية، أي مقام عالٍ من المعرفة والقرب. فالقرآن يعبّر عن الرؤية القلبية بقوله: ﴿ما كذب الفؤاد ما رأى﴾. لكن بني إسرائيل — بسبب تفكيرهم الحسّي — قالوا بوقاحة: ﴿لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة﴾. فكانت الصاعقة التي أهلكتهم.
بعد ذلك أنزل الله الألواح على موسى، وفيها: ﴿موعظةً وتفصيلاً لكل شيء﴾. ورغم أن القرآن لم يذكر التفاصيل صراحة، إلا أن ما يُعرف بالوصايا العشر يتضمن أمورًا أساسية: لا تشرك، لا تقتل، لا تسرق، لا تزني، أكرم والديك، لا تشهد زورًا… أي أن المطلوب منهم إصلاح الأساسيات الأخلاقية قبل أي تمكين في الأرض. ومع كل هذه المعجزات، بقيت آثار الانحراف فيهم. ومن أخطر آثار هذا الانحراف ظهور عقائد تُجسّم الله تعالى، كأن يُقال إن الله يصارع يعقوب، أو يندم، أو يتعب، أو يستريح يوم السبت! وهذه التصورات لا تليق بالله جل جلاله. لكن المشكلة أن مثل هذه الأفكار — التي تُسمّى “إسرائيليات” — تسللت لاحقًا إلى بعض التفاسير الإسلامية، فأصبح البعض يفسّر آيات مثل ﴿وجاء ربك﴾ أو ﴿يد الله فوق أيديهم﴾ تفسيرًا ماديًا، بسبب الخلفية الذهنية الخاطئة.
الخطورة اليوم ليست فقط في التاريخ، بل في الواقع المعاصر. فالأفكار لا تأتي الآن عبر كعب الأحبار، بل عبر وسائل التواصل، والمقاطع القصيرة، وبعض الرسوم والأفلام التي تُشكّل وعي الأطفال دون أن نشعر. طفل يشاهد مقطعًا يُصوّر الله بصورة بشرية، أو بطلًا خارقًا يدير الكون بدل الله، يكبر على تصور خاطئ، ثم إذا سألته بعد سنوات قد يقول: لا أستطيع أن أؤمن إلا بما أراه بعيني. وهنا نعود إلى عبارة بني إسرائيل: ﴿أرنا الله جهرة﴾. ، لذلك كان النبي ﷺ يؤكد مرارًا على مصدر العلم الصحيح، ويقول: «أنا مدينة العلم وعلي بابها»، في إشارة إلى ضرورة أخذ الدين من مصدره الأصيل. لأن الانحراف لا يبدأ بالكفر الصريح، بل يبدأ بفكرة صغيرة خاطئة عن صفات الله، ثم تتراكم حتى تغيّر صورة الدين في ذهن الإنسان.
المعجزات قد تغيّر الواقع، لكن التربية هي التي تغيّر الإنسان. وبنو إسرائيل سقطوا لأنهم لم يغيّروا ما بأنفسهم، وبقيت النظرة المادية تتحكم فيهم رغم كل الآيات. والدرس لنا اليوم أن نحمي عقولنا وعقول أبنائنا، وأن نحرص على مصدر المعرفة الدينية، لأن الانحراف الفكري إذا ترسّخ، علاجه صعب، أما الوقاية منه فممكنة إذا بدأنا مبكرًا.
السيد محمد الهاشمي ليلة (4) من شهر رمضان المبارك 1447 هـ

التعليقات (0)