شارك هذا الموضوع

الموقف من السيد كمال الحيدري

الموقف من السيد كمال الحيدري



بتاريخ  22/6/2012م كتبت مقالا بعنوان " رأي حول برنامج مطارحات في العقيدة" وقد نشر في موقع حسينية بن خميس، وقلت فيه من ضمن ما قلت من رأي ربما كان مخالفا لرأي وموقف كل المتابعين للبرنامج ولطرح السيد .. قلت : " مازال السيد كمال الحيدري يواصل تقديم برنامجه الشهير مطارحات في العقيدة، والذي يصب في الدرجة الأولى في غاية مفادها بيان سوءات المنهج السلفي الذي يقوم على أسس وضعها التيار الأموي .. البرنامج بدأ منذ أشهر طويلة ومازال مستمرا ً ويحظى بنسب مشاهدة كبيرة لدى المشاهد العربي في الأقطار العربية وفي دول غربية عديدة، يظهر هذا بوضوح لدى ردَّات فعل المشاهدين وتعليقاتهم ومراسلاتهم واتصالاتهم، ومن خلال مداخلات العشرات منهم منذ أن بدأ البرنامج . 
ومن الواضح أن الانشراح والشعور بالسعادة وروح الانتصار تسود كثيرا ً من المشاهدين الذي ينتمون إلى الطائفة الشيعية، حيث يفضح السيد بأطروحاته العدو ، ويكشف عورته الفكرية، وهشاشة مذهبه، والأسس التي يقوم عليها ، ومصادره الضعيفة الهزيلة. مما يخلق في النفس فرحة بصحة المعتقد وأحقية المذهب واستعلائه على بقية المذاهب الأخرى. بجانب هذا فإنه يولد إجماعا ً لدى أبناء الطائفة على إعلاء مكانة السيد وإحلاله منزلة عظيمة ، وإعطائه درجات خاصة دون العلماء من قبل المتابع لنصرته المذهب الحق. ومن اليقين أن هذا البرنامج الممتد يأخذ من السيد جهدا ً جبارا ً ووقتا ً طويلا ً ، فهو بطرحه يحتاج منه إلى الرجوع إلى عشرات المصادر ومتابعة مئات الكتابات ودقة في الاستقصاء، والتفرغ التام ..  هذا واضح من الحلقات .
أقول بعد هذا .
ماذا لو قام السيد بصرف هذا الجهد الجبار والتتبع الدقيق إلى المذهب الشيعي نفسه، ومحاولة تنقيته، وإصلاح ما فيه من خلل وعوار؟ ، ماذا لو أن السيد قام بمراجعات دقيقة للكتب الأربعة الأصولية للمذهب الجعفري ومحاولة دراستها منطلقا ً من المنهجية الحوزوية ومادرسه من علم الرجال والحديث والأصول ؟ ماذا لوقام السيد بمراجعات حثيثة ودقيقة للبنية الذاتية للفكر الشيعي ومحاولة إصلاحها من الداخل ؟ ولا يمكن هنا أن يقول أحد إن الفكر الشيعي لا خلل فيه ، أو أن الكتب الأربعة ليس فيها خرافة أو ضعف أو كذب .. وإذا كان الأمر كذلك فلم لا يتجه السيد إلى نفسه ، وإلى الداخل بدلا ً من الخارج ومحاولة كشف ما فيه ؟ أنحن في حاجة لكل هذا ونحن نعرف ما عليه مدرسة بني أمية ونحن أدرى بالمنهج السلفي ؟!
من المؤكد أن السيد لو صنع هذا وقام بإعداد برنامج يعالج فيه بهذه القوة والتتبع الأصول الحديثية للمذهب الجعفري لقامت عليه الحوزات وانتهره المثقفون ولهاجت عليه العامة والخاصة وأسقطته الجماهير منذ الحلقات الأولى !! والسيد لا يقبل بأن يضع نفسه هذا الموضع، ولا طاقة له بمواجهة الجماهير حين تغضب.
لماذا نقبل ونشعر بسعادة غامرة وبنشوة النصر حين نجد السيد كمال الحيدري أوغيره من العلماء والكتّاب يقوم بفضح ونشر عيوب وخلل المذاهب الأخرى ولا نقبل مطلقا ً حتى بالإشارة ولو من بعيد إلى ما في مذهبنا من عيوب وأخطاء ؟! أليس إصلاح النفس أولى من إصلاح الغير ؟! أليس تهذيبها هو الأوجب ؟! أليس النظر إلى الداخل يجب أن يسبق النظر إلى الآخرين وعيوبهم أيا كان هؤلاء الآخرون ؟! " ثم قلت بعد أسطر : " الذي هو أولى بالإصلاح ويجب أن تعقد له عشرات الحلقات التلفزيونية والبرامج الدينية ما جاء في الكافي وبقية الكتب الحديثية .. وليعرف القارئ والعوام من الناس ما فيها من كذب وخرافة واختلاق ورجال غلاة وواقفية . وعلينا أن لا ننتفض غضبا ً من هذا واستنكارا ً ، بل السكوت هو الأولى بالغضب والاستنكار " .
وبتاريخ 24/7/2012م كتبت مقالا آخر ، وكان بعنوان " إلى الأستاذ الفاضل "ناصح" " ردا على الرافضين والمنفعلين من موقفي من برنامج السيد وتوجسي من ردات فعل الشيعة لو أن السيد قام بطرح برنامج شبيه يتعرض فيه لكتب الحديث الشيعية. ومن بين ما قلت الأسطر التالية : " من يتأمل المقال يجده كله مدح وثناء وإطراء للسيد واعتراف بمكانته وقدرته على التأثير في النفوس وفي متابعيه. إن كلامي كله وخلاصة المقال برمته يتوجه إلى المتلقين لا إلى السيد ، ويتوجه إلى المتابعين لا إلى الحيدري حفظه الله ، فأنا أقول مخاطبا ً من يتابع البرنامج: هل تتقبل هذا النقد الذي يوجهه السيد لو جاء إلى الداخل ؟ هل ستبقي للسيد مكانة في نفسك لو قام باستعراض ما في مذهبنا من روايات يندى لها الجبين في حلقات متتابعة وبتقصي كما يصنع الآن في برنامجه اتجاه التيارات الأخرى ؟ هل لدينا إنصاف واستعداد بأن نسمع من يدلنا على أخطائنا وعيوبنا بمثل ما نسمع وننصت باهتمام وحرص وحب لمن يتحدث عن عورات وسوءات المذاهب الأخرى ؟
أنا هنا مضطر بأن أعلن متأسفا ً لو أن السيد كمال الحيدري قدّم برنامجا ً تقوم فكرته على تحليل ما في المذهب الشيعي من أخطاء يرتكبها العوام ويؤمنون بها ، وما في المصادر الحديثية الشيعية من روايات مدسوسة ومكذوبة على  الأئمة "ع" لو قام بذلك لقامت عليه العامة فضلا ً عن كثير من المعممين ، ولكان مصيره كمصير السيد محسن الأمين وهبة الدين الشهرستاني وشريعتي وفضل الله والشهيد الصدر وغيرهم من الأعلام .. نحن هكذا لا نتقبل من يختلف معنا ، أو يأتي بما يخالف ما كنا نؤمن به ونسمع عنه سنوات طوال حتى أصبح راسخا في أذهاننا  عقيدة لا تقبل النقض ، ومن يحاول أن يقول خلاف ذلك فهو لديه قصور في العقيدة ، ويتهجم على العلماء ويدعي العلم ولا خبرة له ويسقط ويرمى بأبشع النعوت، دائما نجعل أنفسنا هي المعيار والحكم ، وما ورثناه هو الفيصل لا آراء المحققين والعلماء الثقات المتبحرين.
كان كلامي كله رجاء وأمل لو أن السيد بفكره الثاقب وموسوعيته لو  عالج الفكر الشيعي وانصرف بدلا ً من الحديث عن ابن تيمية وبن باز والبخاري إلى الحديث عن الكافي والاستبصار والبحار ، لكان ذلك أكثر نفعا ً وأعظم بركة ، وأجدى للمتلقي الشيعي " انتهى


هذا ما قلته قبل سنة ، وكتبته ونشر في موقع الحسينية، ولم يذهب توقعي وحدسي بعيدا، فما إن بدأ السيد كمال الحيدري التعرض لأحاديث المذهب الشيعي ، أو بعض الأحاديث منها حتى قامت عليه الدنيا ولم تقعد، وتحول السيد من عالم ومفكر وعظيم ومقتدر ونابغة ومخلص ومبدع إلى مبتدع ولا يفقه شيئا ومدلس وجاهل وسفيه ، وألصقت به أبشع الصفات والنعوت، وكتبت حوله عشرات الأسطر من القذع والقذف البذيء، والنعوت السابقة ،وممن ؟ من معممين وطلاب حوزات ورجال دين، هكذا نحن .. وهكذا سنظل ولن نتغير أبدا، وسنبقى على طبيعتنا .. السيد بطل وعظيم وسيد العلماء ولا يعلو عليه أحد، لأنه يتعرض للبخاري ومسلم والترمذي، ومفكر ونحرير ومبجل وقديس لأنه ينقد معاوية وعائشة وعمرو بن العاص وعمر وعثمان، ولكنه تحول في لحظة واحدة، وبين ليلة وضحاها إلى جاهل ومبتدع وضال ومضل ومغرور لأنه حاول الاقتراب من كتاب سليم بن قيس، ومن قضية الهجوم على الزهراء (ع)، ومن نقد منهجية الفقهاء .. أنت عظيم ياسيد متى ما تتعرض للبخاري ومسلم، ولكن إياك إياك أن تقترب أو حتى تفكر في الاقتراب من الكافي أو البحار أو الوسائل وغيرها من الكتب الروائية الشيعية، أو يكون لك رؤية ومنهجية ذاتية، أو تحاول أن تعمل عقلك .. فمصيرك التسقيط والمحاربة واٌلإقصاء وإخراجك من ساحة المذهب. والغريب أن هذا الموقف يأتي من العلماء، ومن رجال الدين وطلاب الحوزات الدينية، الذين هم أولى بأن يكونوا للناس منارات ومشاعل في التسامح وتقبل الآخر والتحاور مع الأفكار بلغة العقل والدليل، لا بلغة الهياج والتسقيط والتكفير والصراخ والاستعلاء ..
 
لا نعرف أبدا أن نناقش الفكرة بالفكرة، ولا نتعامل بتعدد الرؤى والتفكير الناقد وتصحيح المفاهيم بالأسلوب العلمي الرزين والمتزن والذي يبحث ويتناول الأفكار بعيدا عن الأشخاص ، والسبب أننا نتعامل مع الفكر الأحادي، ولأننا ننطلق من مفهوم الفرقة الناجية والتي نعيب الآخرين عليها، وإن كنا الفرقة الناجية فلا يعني هذا أنه لا توجد في عقائدنا وكتبنا ورواياتنا ما يصطبغ بالجهل والابتداع والخرافة وما يخالف الدين، وإذا جاء أحد العلماء محاولا التصحيح وتنقية العقيدة من هذا الابتداع قمنا عليه ووجهنا حرابا مسمومة وطعناه بها وقتلنا في ساعته.
نحن لا نعرف الاتزان لا في التفكير ولا في التعامل ولا في العاطفة، من جعلوا السيد كمال الحيدري سيد العلماء بالأمس لأنه يسفه المذهب الآخر هم نفسهم من جعلوه تحت أقدامهم اليوم .. إذا أحببنا أحببنا بجنون واندفاع وانفلات لا يعرف الاتزان، وإذا سخطنا صرنا كالمجنون الذي لا يرى أمامه، ويتحول لساننا إلى شرر وأنفسنا تصير سوداء وقلوبنا تغلي .. هذا مع عالم من علمائنا الأجلاء فكيف الحال مع الآخرين ؟!! .. يقول أمير المؤمنين (ع) : " أحبب حبيبك هونا ما عسى أن يكون بغيضك يوما ما، وابغض بغيضك هونا ما عسى أن يكون حبيبك يوما ما " 


استمع لكل الآراء، وهيئ نفسك لتقبل الصحيح منها، ولأن تغير من قناعاتك في أي لحظة، ولا عليك ممن يرفع شعار الحفاظ على المذهب وقيل وقيل، فكل رأي هناك ما يقابله من آراء وأدلة، والمذهب الشيعي قوته في النقد العلمي وفي الحرقة لتصحيح ما فيه من شوائب وزيادات دخلت عليه على مر التاريخ، ولنتعامل دائما بلغة الحوار وتقبل الآخر ، ولغة ربما ويجوز وقد يكون وسأرى وسأبحث وأسأل وأقرأ وأتأكد ، لا لغة القطع واليقين المطلق والأنا والتسفيه والتسقيط لكل من يخالفني أو يخرج على السائد وإن كان منذ مئات السنين، فما أكثر ما ورثناه ثم اتضح لنا بدعته وضلاله وما كنا فيه من سفه وجهل .. ولنحفظ لعلمائنا مقاماتهم واحترامهم من دون تقديس ولا تجريح .. فخير الأمور أوسطها .


علي المحرقي
22/8/ 2013م 

التعليقات (3)

  1. avatar
    متابع

    مقال جميل وشعرت بأنه يعبر عني .. وقد صور الواقع بدقة

  2. avatar
    ابو يوسف

    احسنت اخي علي المحرقي على هذا المقال الرائع ، الكثير من الناس يسخرون من الاخرين لاخطائهم ولا يرون مابهم ، لماذا لا نتعلم من مدرسه اهل البيت ونرى كيف اخلاقهم و اساليبهم ! الخطأ خطأ ليس الخطأ على الاعداء فقط ، ولكن هذا امر يتهرب منه الكثير لخوفهم من الحقيقة او جهل لقله التعلم و قله التربيه العقليه و الروحيه الصحيحه لتقبل امور بهذه الضخامه

  3. avatar
    سعيد أحمد

    لماذا نحن فقط ننتقد ونحلل ونرصد الملاحظات ونكتب مقالات من أجل الكلام فقط ...! سؤالي هو .. هل تواصلت مع السيد وناقشته بالامر او اوصلت له وجهة نظرك الصحيحة.؟ اكيد لا دائما نتفنن في كل شي .. ولا نوصل الفكره والانتقاد الى الشخص ...!

شارك بتعليقك حول هذا الموضوع

CAPTCHA security code

شارك هذا الموضوع